تخطَّ إلى المحتوى

لوغرمو عبدول: منع العسكريين من السياسة خطوة استراتيجية لترسيخ الدولة المدنية، لكن لاينبغي أن تكون أبدية

Hanevy Dahah
25 دقائق قراءة361

تطرح موريتانيا اليوم نقاشًا قانونيًا وسياسيًا عميقًا حول مشروعين تشريعيين يتعلقان بتنظيم وضعية العسكريين، ومنعهم من ممارسة النشاط السياسي، ليس فقط أثناء الخدمة الفعلية، بل كذلك بعد التقاعد ضمن ضوابط يثيرها نظام الاحتياط.

هذا النقاش لا يتوقف عند حدود قانون إداري أو مهني يخص المؤسسة العسكرية، بل يلامس جوهر العلاقة بين الجيش والسياسة، وحدود الدولة المدنية، وشروط التنافس الديمقراطي المتكافئ، كما يفتح أسئلة دقيقة حول التوازن بين حماية حياد المؤسسة العسكرية وضمان الحقوق الدستورية للمواطنين ذوي الخلفية العسكرية.

فهل نحن أمام خطوة حاسمة لترسيخ الجيش الجمهوري المهني البعيد عن التجاذبات الحزبية؟ أم أن المشروع، بصيغته الحالية، يحتاج إلى تعديلات تضمن عدم المساس الدائم بالحقوق السياسية للعسكريين المتقاعدين؟

لمناقشة هذه الأسئلة، نستضيف الأستاذ لوغرمو عبدول، المحامي والخبير القانوني، للحديث عن الخلفيات القانونية والسياسية للمشروع، وتأثيره المحتمل على الدولة المدنية، والحوار الوطني، ومستقبل التناوب الديمقراطي في موريتانيا.

 

نص المقابلة:

 

ما الخلفيات القانونية والسياسية التي قادت إلى إعداد مشروع القانون الذي يمنع العسكريين من ممارسة النشاط السياسي؟

أشكركم على هذه الاستضافة. وأود أولًا أن أوضح أن الأمر يتعلق في الواقع بقانونين. فهناك قانون خاص بالضباط، وقانون آخر يخص بقية أفراد القوات المسلحة. ويهدف هذان القانونان، في مجملهما، إلى تعزيز استقلالية المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي.

فالغاية الأساسية هي أن تتفرغ القوات المسلحة بصورة أكبر لمهامها المهنية، بما يساهم في مزيد من التحديث والاحترافية، ويعزز مصداقية أدائها، ويمكنها من الاضطلاع بدورها الطبيعي داخل الدولة الجمهورية، والمتمثل أساسًا في خدمة الأمن الوطني، بعيدًا عن الصراعات السياسية والمنافسات الحزبية والتجاذبات والمعاملات السياسية بمختلف أشكالها.

إن الهدف من هذا القانون هو بناء جيش جمهوري حقيقي، حديث ومحترف، يضم أطرًا كفؤة وأفرادًا تحركهم قبل كل شيء إرادة خدمة الوطن، لا الانخراط في الألعاب السياسية التقليدية.

وهذا التوجه ليس جديدًا، بل يمثل طموحًا وهدفًا سعت إليه البلاد منذ فترة طويلة. غير أن الوصول إليه تطلب وقتًا وجهودًا متراكمة، إلى أن أصبح من الضروري اليوم النظر إلى الواقع بوضوح، والإقرار بأن الوقت قد حان لتحديث الإطار الذي تنظم من خلاله مساهمة المؤسسة العسكرية في الحياة الوطنية، بما ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة.

 ما الفرق بين حياد المؤسسة العسكرية وبين منع العسكريين من المشاركة في الحياة السياسية؟

في الواقع، يرتبط الأمران ارتباطًا وثيقًا، بل يمكن القول إنهما وجهان لمسألة واحدة. فحياد المؤسسة العسكرية يُعد مبدأً أساسيًا في الفكر العسكري منذ زمن طويل. والعسكريون أثناء الخدمة الفعلية، أي عندما يكونون في صفوف الجيش ويمارسون مهامهم العسكرية، لا يحق لهم أصلًا الانخراط في العمل السياسي، وهذا أمر منصوص عليه حتى في التشريعات الحالية.

لكن الإشكال الحقيقي يبرز عندما يغادر العسكري الخدمة النشطة ويتقاعد. ففي هذه الحالة يُفترض، من حيث المبدأ، أن يصبح مواطنًا حرًا يستطيع ممارسة الأنشطة التي يختارها.

غير أن مفهوم الجيش الجمهوري، في ظل الظروف الدولية الراهنة وما يطبعها من تعقيد وعدم يقين، يجعل من الكفاءات العسكرية رصيدًا مهمًا للدولة. ولذلك تهدف هذه الإصلاحات إلى إبقاء العسكريين المتقاعدين ضمن إطار جديد يُعرف بـ«الاحتياط» أو «قوات الاحتياط».

ومعنى ذلك أنهم، رغم خروجهم من الخدمة الفعلية، يظلون في خدمة الوطن. فهم يتمتعون بحرية أكبر في تحركاتهم، ولم يعودوا مرتبطين مباشرة بالمؤسسة العسكرية، لكنهم يظلون تحت تصرفها عند الحاجة، ويمكن الاستفادة من خبراتهم أو خدماتهم إذا اقتضت الضرورة ذلك. كما أنهم يحتفظون بعلاقات خاصة مع الجيش بحكم ما راكموه من خبرات وما اطلعوا عليه من معلومات ومعطيات حساسة خلال مسيرتهم المهنية.

ومن هنا تبرز أهمية نظام الاحتياط؛ فهو يجعل العسكري المتقاعد جزءًا من الحياة المدنية، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بارتباط فعلي بالمؤسسة العسكرية.

وعليه، إذا سُمح له بممارسة العمل السياسي بينما لا يزال يحتفظ بهذه الصلة بالمؤسسة العسكرية، فقد ينشأ وضع ملتبس يمكن أن يفضي إلى توترات أو إشكالات، أو على الأقل قد يثير الشكوك بشأن استقلالية الجيش وحياده، ويؤثر على وضوح الفصل بين المؤسسة العسكرية والمنافسة السياسية.

وهنا يكمن جوهر الإصلاح المطروح. فالجديد في هذه القوانين هو أنها تُبقي على بعض الالتزامات الملقاة على عاتق العسكريين حتى بعد إحالتهم إلى التقاعد، ومن أبرز هذه الالتزامات الامتناع عن ممارسة النشاط السياسي، رغم مغادرتهم الخدمة الفعلية.

وبطبيعة الحال، يثير هذا التوجه إشكاليات وتساؤلات قانونية وحقوقية سنعود إليها بعد قليل.

لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن القانونين الجديدين ينطلقان من مبدأ مفاده أن العسكري، حتى بعد إحالته إلى التقاعد، لا ينبغي أن يُوضع في موقع يسمح له بممارسة النشاط السياسي. ويشمل ذلك إلقاء الخطابات السياسية، أو التعليق العلني على كيفية تسيير شؤون البلاد، أو الانخراط في الحملات الانتخابية، أو الترشح للمناصب السياسية، أو دعم المرشحين والأحزاب.

والسبب في ذلك أن صفة العسكري السابق، أو العسكري الذي سبق له أن خدم في القوات المسلحة، تمنحه اطلاعًا على معلومات ومعطيات حساسة، وقد تجعله في وضع يمكن أن يدفعه إلى الإفصاح عن أمور لا ينبغي الكشف عنها، أو إلى القيام بتصرفات لا تتوافق مع الالتزامات التي ترتبت على خدمته العسكرية.

ولهذا السبب، ومن أجل إزالة أي لبس أو غموض، اختار القانون أن يبقى هؤلاء بعيدين عن الأنشطة السياسية. وهذا لا يعني أنهم محرومون من آرائهم أو قناعاتهم الشخصية؛ فهم أحرار في تكوين مواقفهم ووجهات نظرهم. غير أن التعبير العلني عن بعض القضايا يظل خاضعًا لواجبات التحفظ والاحتياط التي تفرضها وضعيتهم الخاصة، ولا يمكن ممارسته بالطريقة نفسها التي يمارسها المواطن العادي.

وفي المقابل، فإن الإطار الجديد الذي ينظم هذه الوضعية لا يقتصر على فرض الالتزامات، بل يتضمن أيضًا جملة من المزايا والتعويضات. فهؤلاء الأشخاص لن يُعزلوا عن المجتمع أو يُجردوا من حقوقهم المدنية، بل سيستفيدون من نظام قانوني خاص هو نظام الاحتياط، الذي يمنحهم بعض الامتيازات والضمانات المرتبطة باستمرار ارتباطهم بالمؤسسة العسكرية، رغم خروجهم من الخدمة الفعلية.

وهذا يمثل الجانب الثاني من الإصلاح. فالعسكريون المتقاعدون، الذين لن يعود بإمكانهم ممارسة العمل السياسي بالمعنى المتعارف عليه، سيواصلون في المقابل أداء واجب الخدمة الوطنية متى استدعت الحاجة ذلك. ومن ثم، فإن استمرار هذا الارتباط بالمؤسسة العسكرية يبرر عدم تمتعهم بحرية مطلقة في ممارسة جميع الأنشطة التي قد تكون متاحة لسائر المواطنين.

وباختصار، فهذا هو التصور العام الذي تقوم عليه الإصلاحات المقترحة.

كيف نظّمت الديمقراطيات الراسخة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية؟

بصورة عامة، تقوم الديمقراطيات الحديثة على مبدأ أساسي مفاده أن العسكريين يجب ألا يتدخلوا في الشأن السياسي. فالمؤسسة العسكرية وظيفتها خدمة الدولة من خلال الحكومات القائمة، وهذه الحكومات هي حكومات مدنية منتخبة أو تستمد شرعيتها من النظام الدستوري.

ولهذا لا يمكن أن تكون القوة العسكرية، التي تمتلك وسائل الإكراه والقوة، هي نفسها الجهة التي تتخذ القرار السياسي وتحكم البلاد. فهناك فرق جوهري بين السلطة العسكرية بوصفها أداة لحماية الدولة، والسلطة المدنية بوصفها الجهة المخولة بإدارة الشأن العام واتخاذ القرارات السياسية.

ومن هنا نشأ مبدأ الفصل بين النشاط العسكري والنشاط السياسي، وهو أحد الركائز التي تقوم عليها الديمقراطيات الحديثة. فالمؤسسة العسكرية تخضع للسلطة المدنية الشرعية، ولا تتدخل في المنافسة السياسية أو في تحديد من يحكم.

غير أن هذا المبدأ لم يُحترم دائمًا في العديد من دول العالم النامي، وخاصة في إفريقيا. فبسبب ظروف تاريخية وسياسية متعددة، شهدت هذه الدول تدخل الجيوش في الحياة السياسية، غالبًا عبر الانقلابات العسكرية.

وفي موريتانيا، على سبيل المثال، عرف البلد عدة انقلابات عسكرية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي. وقد أدى ذلك تدريجيًا إلى حضور المؤسسة العسكرية بقوة في المشهد السياسي، حتى أصبح من الصعب الحديث عن الحياة السياسية الموريتانية دون التطرق إلى دور الجيش وتأثيره.

ويذهب بعض المحللين إلى اعتبار النظام القائم امتدادًا غير مباشر للحكم العسكري، وإن كان ذلك بأشكال مختلفة عما كان عليه الوضع في السابق. ففي البداية، كانت البلاد تُدار من قبل أنظمة عسكرية صريحة عقب انقلاب عام 1978 على الرئيس المختار ولد داداه.

ومع مرور الوقت، وبفعل النضال السياسي الداخلي، وتطور الأوضاع الوطنية، وتأثير التحولات الدولية، بدأت المؤسسة العسكرية تنسحب تدريجيًا من ممارسة السلطة المباشرة. وشكل اعتماد دستور عام 1991 محطة مهمة في هذا المسار، إذ أُعلن رسميًا انتقال البلاد إلى نظام دستوري مدني، وتوقفت المؤسسة العسكرية، من الناحية القانونية، عن ممارسة الحكم بشكل مباشر.

لكن الواقع أظهر أن تأثير الجيش لم يختفِ بالكامل، بل استمر بأشكال مختلفة من خلال العلاقات الخاصة التي تربط بعض القيادات العسكرية السابقة بمراكز القرار السياسي. فعدد من الضباط الذين غادروا المؤسسة العسكرية وتولوا مناصب سياسية أو قيادية ظلوا يحتفظون بنفوذهم وخبراتهم وشبكات علاقاتهم، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية حاضرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إدارة الشأن العام.

ومن هذا المنطلق، تسعى الإصلاحات الجديدة إلى تكريس الفصل بشكل أوضح بين المجالين العسكري والسياسي، بما ينسجم مع المعايير المعمول بها في الديمقراطيات الحديثة، ويعزز الطابع الجمهوري والمهني للمؤسسة العسكرية.

فعلى سبيل المثال، منذ عام 1978 وحتى اليوم، باستثناء فترة الرئيس المدني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وكذلك المرحلة الانتقالية التي قادها اعلي ولد محمد فال، فإن جميع رؤساء الدولة كانوا من خلفية عسكرية.

وهذا يوضح أن التأثير العسكري ظل حاضرًا بصورة مباشرة في الحياة السياسية. فحتى وإن كان هؤلاء قد وصلوا إلى السلطة عبر الانتخابات، وبصفتهم مواطنين مدنيين من الناحية القانونية، فإنهم كانوا في الأصل عسكريين. ولذلك ترسخ لدى الكثير من الموريتانيين انطباع مفاده أن المؤسسة العسكرية ما زالت حاضرة في السلطة، مهما تعددت الانتخابات والأحزاب السياسية والبرلمان والمجالس البلدية والمؤسسات المنتخبة.

بل إن هذا التصور تعزز أيضًا بحضور ضباط سابقين، من جنرالات وعقداء وغيرهم، في مواقع قيادية داخل الدولة، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية أو رئاسة مؤسسات دستورية أخرى. ومن ثم، ظل الاعتقاد السائد لدى شريحة واسعة من المواطنين أن الجيش ما زال يمارس نفوذًا سياسيًا مباشرًا أو غير مباشر.

ومن هنا تأتي أهمية الإصلاح المطروح اليوم، والذي يقوم على مبدأ واضح: العسكري، سواء كان في الخدمة الفعلية أو في وضعية التقاعد والاحتياط، لن يكون بإمكانه ممارسة العمل السياسي.

وهذا ما يجعل هذين المشروعين التشريعيين يمثلان تحولًا حقيقيًا، لأنهما يهدفان إلى إخراج المؤسسة العسكرية نهائيًا من دائرة النشاط السياسي، أياً كانت أشكاله.

وتزداد أهمية هذا التوجه لأن من يختار الانخراط في المؤسسة العسكرية سيكون على علم مسبق بهذه القاعدة. فالدخول إلى الجيش خيار شخصي، لكن من يختاره يجب أن يدرك منذ البداية أن مساره المهني سيترتب عليه، في نهاية المطاف، التخلي عن الطموحات السياسية والحزبية.

بمعنى آخر، إذا اخترت أن تكون عسكريًا، فعليك أن تقبل بأنك لن تكون، مستقبلاً، فاعلًا سياسيًا أو مسؤولًا مدنيًا يتولى إدارة الشأن العام من خلال العمل السياسي، لأنك كنت في الأصل جزءًا من السلطة العسكرية.

هذا هو الإطار العام للإصلاح كما يُطرح اليوم.

ومع ذلك، لا يخلو الموضوع من إشكالات قانونية ودستورية تستحق النقاش. فمن السهل تبرير منع العسكري من ممارسة السياسة أثناء وجوده في الخدمة الفعلية، لكن السؤال الذي قد يُطرح هو: هل يجوز الاستمرار في تقييد حقوقه السياسية بشكل دائم بعد التقاعد؟

هذه مسألة قابلة للنقاش والجدل، ومن الطبيعي أن تُثار خلال المسار التشريعي. فالمشاريع التي نتحدث عنها ليست قوانين نافذة بعد، وإنما هي مشاريع قوانين ما تزال قيد الدراسة والنقاش، ومن المنتظر أن تشهد نقاشات داخل الجمعية الوطنية، حيث ستُطرح مختلف الآراء القانونية والسياسية بشأنها قبل البت النهائي فيها.

أما بالنسبة لي، فأرى أنه قد يكون من الضروري إدخال بعض التعديلات على هذا التشدد الكبير الذي يتضمنه مشروع القانون تجاه العسكريين.

وأود أن أوضح أن هذا الموقف لا يعني أنني أدافع عن العسكريين بقدر ما أعبر عن قناعة قانونية ومبدئية. بل على العكس، أنا أكنّ احترامًا وتقديرًا كبيرين للمؤسسة العسكرية، لكنني أعتقد أن العسكري، مثل أي مواطن آخر، يتمتع بحقوق وحريات يكفلها الدستور، سواء كان يرتدي الزي العسكري أو كان مدنيًا.

ومن ثم، ينبغي أن تظل هذه الحقوق الدستورية مضمونة للعسكريين أيضًا، بما في ذلك الحقوق والحريات الأساسية.

وبطبيعة الحال، يمكن الإبقاء على بعض القيود التي تسعى مشاريع القوانين الحالية إلى فرضها، لكن من الأفضل، في تقديري، أن تكون هذه القيود محددة زمنيًا، لا أن تستمر مدى الحياة.

فبدل أن يُمنع العسكري المتقاعد من ممارسة أي نشاط سياسي إلى الأبد، يمكن النص على فترة انتقالية معينة بعد مغادرته الخدمة العسكرية، يُحظر عليه خلالها الانخراط في العمل السياسي.

والسبب في ذلك أن العسكري المتقاعد لا يفقد فورًا كل ما راكمه من نفوذ أو علاقات أو معارف داخل المؤسسة العسكرية. فحتى بعد التقاعد، قد يحتفظ بشبكات من العلاقات المهنية والشخصية، وبمعرفة دقيقة بآليات العمل العسكري، وبصلة مباشرة أو غير مباشرة بأشخاص كانوا تحت إمرته أو عملوا معه خلال فترة خدمته.

لذلك توجد مرحلة انتقالية، أو ما يمكن تسميته «المنطقة الرمادية»، يكون فيها تأثير العسكري السابق ما زال قائمًا بدرجة أو بأخرى. وفي هذه المرحلة تحديدًا، يمكن تبرير فرض قيود مؤقتة على مشاركته السياسية حفاظًا على حياد المؤسسة العسكرية ومنع أي تداخل محتمل بين المجالين العسكري والسياسي.

ومن هذا المنظور، أرى أن نظام الاحتياط يمكن أن يؤدي هذا الدور، بحيث يظل العسكري السابق خلال فترة معينة ملزمًا بواجب التحفظ والابتعاد عن النشاط السياسي، إلى أن تنقضي المدة التي تجعل ارتباطه بالمؤسسة العسكرية أقل تأثيرًا.

أما فرض هذا المنع بشكل دائم ومطلق، فذلك يثير، في نظري، تساؤلات قانونية ودستورية مشروعة تستحق النقاش والتمحيص أثناء مناقشة مشروع القانون.

لكن بعد انتهاء فترة الاحتياط، والتي يمكن أن تمتد خمس سنوات أو عشر سنوات مثلًا، بحسب ما يحدده القانون، يصبح العسكري المتقاعد مواطنًا كامل الحقوق كغيره من المواطنين.

وعندئذ يمكنه، إذا أراد، الترشح لرئاسة الجمهورية، أو لعضوية الجمعية الوطنية، أو لرئاسة بلدية، أو لأي منصب سياسي آخر. غير أن ذلك لا يكون إلا بعد انقضاء فترة الاحتياط التي تفصل بين حياته العسكرية السابقة وانخراطه المحتمل في العمل السياسي.

هذا مجرد اقتراح شخصي أراه أكثر توازنًا. فبدل اعتماد مقاربة صارمة ومطلقة، أعتقد أنه ينبغي التعامل بقدر أكبر من المرونة فيما يتعلق بحقوق العسكريين الأساسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مقتضيات حياد المؤسسة العسكرية.

وهذه، في تقديري، من بين التعديلات التي يمكن التفكير في إدخالها على مشروع القانون.

إلى أي مدى يمكن أن يؤثر هذا القانون على توازن العلاقة بين المؤسسات الدستورية؟

هذا سؤال مهم للغاية، بل يمكن اعتباره سؤالًا حساسًا أيضًا.

إذا نظرنا إلى فلسفة النظام الدستوري الجمهوري، فإنها تقوم أساسًا على مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية. وهذا هو الإطار الذي تنظم من خلاله العلاقات بين المؤسسات الدستورية.

فمن الناحية الدستورية، لا يمكن للشخص أن يكون عسكريًا في الخدمة الفعلية وأن يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس الجمهورية أو رئيس الجمعية الوطنية أو أي منصب سياسي منتخب. هذا أمر غير جائز دستوريًا.

لكن ما كان ممكنًا في السابق هو أن يغادر العسكري المؤسسة العسكرية، ثم يتولى بعد ذلك مناصب سياسية أو دستورية. غير أن مغادرته للجيش لا تعني بالضرورة أنه تخلص فورًا من كل النفوذ أو العلاقات أو الامتيازات التي اكتسبها خلال مسيرته العسكرية.

فالقائد العسكري السابق قد يكون بنى، خلال سنوات خدمته، شبكات واسعة من العلاقات والنفوذ، وأقام روابط خاصة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، وربما احتفظ بعناصر قوة تمكنه من التأثير في الحياة العامة حتى بعد خروجه من المؤسسة العسكرية.

ولهذا يرى أصحاب هذه الإصلاحات أن مجرد التقاعد لا يكفي دائمًا لضمان الفصل الكامل بين المجالين العسكري والسياسي.

فالقانون الجديد يسعى إلى معالجة هذه الوضعية، من خلال الحد من إمكانية انتقال النفوذ العسكري إلى المجال السياسي، بما يعزز استقلال المؤسسات الدستورية ويجعلها تعمل وفق قواعد مدنية خالصة.

والهدف النهائي من ذلك هو ترسيخ مبدأ المساواة بين المواطنين، بحيث لا يتمتع بعضهم بمزايا أو نفوذ استثنائي في الحياة السياسية بسبب خلفيتهم العسكرية السابقة.

بعبارة أخرى، تسعى هذه الإصلاحات إلى جعل المنافسة السياسية قائمة على قواعد مدنية متكافئة، وإلى تعزيز نزاهة المؤسسات الدستورية واستقلالها، بحيث لا يكون لأي طرف امتياز خاص مستمد من موقعه السابق داخل المؤسسة العسكرية.

فعندما ندخل في منافسة سياسية، كأن تكون هناك انتخابات على سبيل المثال، ينبغي ألا أجد نفسي في مواجهة مرشح يتمتع منذ البداية بامتيازات لا أملكها، فقط لأنه كان جنرالًا أو عقيدًا في الجيش.

فهذا الشخص قد يكون استفاد خلال مسيرته العسكرية من شبكات واسعة من العلاقات، ومن مصادر معلومات، ومن خبرات استراتيجية، ومن نفوذ متراكم يمكن أن يمنحه أفضلية غير متاحة لبقية المواطنين، وهو ما قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص في المنافسة السياسية.

لذلك ينبغي العمل على إعادة التوازن بين جميع المواطنين الموريتانيين الراغبين في ممارسة العمل السياسي، بحيث لا تتحول المناصب أو الصفات السابقة إلى عوامل تؤثر في عدالة المنافسة أو تخل بالمساواة بين المتنافسين.

ومن هنا تأتي أهمية الفترة الانتقالية التي تحدثت عنها سابقًا. فهذه المرحلة تشكل، في نظري، آلية ضرورية للحد من إمكانية استثمار النفوذ العسكري السابق في المجال السياسي. فالعسكري قد يصبح مدنيًا من الناحية القانونية، لكنه قد يحتفظ لبعض الوقت بتأثير وعلاقات ومكانة ناتجة عن مسيرته العسكرية.

وفي هذا السياق، يمكن للقانون أن يساهم في إعادة التوازن إلى الحياة السياسية، من خلال وضع ضوابط تمنع انتقال النفوذ العسكري إلى المجال المدني بصورة مباشرة.

لكن الأهم من التفاصيل القانونية هو الروح التي تقوم عليها هذه الإصلاحات.

فجوهر هذه القوانين هو أن يتفرغ العسكريون الموريتانيون للمهام العسكرية، بينما تظل إدارة الشأن السياسي من اختصاص المدنيين، باعتبار أن النظام القائم هو نظام جمهوري مدني.

فمن يختار المسار العسكري ينبغي أن يكرس نفسه للمهنة العسكرية. وإذا قرر لاحقًا مغادرة هذا المسار، فيجب أن يكون هذا الانتقال حقيقيًا وكاملًا، لا مجرد تغيير شكلي يبقي التأثيرات السابقة قائمة بصورة غير مباشرة.

بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون التخلي عن الصفة العسكرية مجرد إجراء صوري، بينما تستمر في الواقع آليات النفوذ والعلاقات التي تسمح بإعادة إنتاج الدور السياسي نفسه بوسائل مختلفة.

ولهذا أرى أن الفصل الواضح بين الوظيفة العسكرية والوظيفة المدنية يمثل القضية الجوهرية في أي نظام جمهوري.

فالجمهورية، في جوهرها، تقوم على مبدأ أن السلطة السياسية يمارسها المدنيون المنتخبون أو المخولون دستوريًا، بينما تكون المؤسسة العسكرية في خدمتهم وفي خدمة الدولة والقانون.

وبعبارة مختصرة، فإن إحدى الركائز الأساسية لأي جمهورية هي أن المدنيين هم من يقودون العسكريين، وليس العكس.

فعندما نجد أن العسكري، أو العسكري السابق، يواصل توجيه الحياة السياسية والتأثير في القرار المدني بحكم النفوذ الذي اكتسبه خلال مسيرته العسكرية، فإننا نبتعد عن النموذج الجمهوري الحقيقي وندخل، بدرجات متفاوتة، في شكل من أشكال الحكم العسكري.

وقد لا يظهر ذلك دائمًا بصورة مباشرة أو رسمية، إذ يمكن أن يكون الشخص مرتديًا بدلة مدنية ويتولى منصبًا سياسيًا أو إداريًا، لكنه يظل مستندًا إلى النفوذ والسلطة المعنوية التي راكمها عندما كان جنرالًا أو عقيدًا أو صاحب رتبة عسكرية عليا.

وهذا تحديدًا ما يسعى مشروعا القانون، بحسب فلسفتهما المعلنة، إلى الحد منه أو معالجته.

هل من شأن هذا الإجراء أن يعزز الثقة في العملية السياسية، أم أنه يثير في المقابل تساؤلات جديدة حول الحقوق السياسية لبعض فئات المواطنين؟

أود أولًا أن أؤكد مجددًا ما ذكرته سابقًا: مسألة دور العسكريين في الحياة السياسية هي، في رأيي، إحدى القضايا المركزية في بناء الديمقراطية، وخاصة في موريتانيا.

صحيح أن هذه الإشكالية مطروحة في عدد من البلدان الإفريقية، لكنها تأخذ في موريتانيا بعدًا خاصًا بالنظر إلى تاريخ البلاد السياسي وما شهدته من انقلابات عسكرية متكررة خلال فترات زمنية متقاربة، إضافة إلى الحضور الواضح للمؤسسة العسكرية في مسار السلطة والحكم.

وليس سرًا أن هناك اعتقادًا واسع الانتشار في الأوساط السياسية والشعبية بأن النجاح في بعض الاستحقاقات السياسية يتطلب، بصورة أو بأخرى، الحصول على دعم شخصيات نافذة من داخل المؤسسة العسكرية أو من محيطها.

ولهذا كثيرًا ما تتردد، أحيانًا على سبيل المزاح وأحيانًا بجدية، عبارات من قبيل: «هل لديك جنرال يدعمك؟» أو «إذا أردت حل مشكلتك فابحث عن جنرال». وهذه التعابير تعكس صورة راسخة لدى جزء من الرأي العام حول حجم النفوذ الذي يُعتقد أن بعض القيادات العسكرية السابقة ما تزال تمارسه في الحياة العامة.

وبحسب هذا التصور، تشكل هذه القيادات ما يشبه شبكة نفوذ أو جماعة مصالح مؤثرة، لها قدرة على التأثير في التوازنات السياسية وفي بعض القرارات الكبرى داخل الدولة.

لذلك يرى أنصار هذه الإصلاحات أن الحد من التداخل بين المجالين العسكري والسياسي قد يسهم في تعزيز الثقة بالعملية الديمقراطية، لأنه يبعث برسالة مفادها أن المنافسة السياسية يجب أن تقوم على المساواة بين المواطنين، لا على النفوذ المستمد من مواقع عسكرية سابقة.

ومع ذلك، فإن هذا التوجه يثير في المقابل نقاشًا مشروعًا حول الحقوق السياسية للعسكريين المتقاعدين، وحدود القيود التي يمكن فرضها عليهم دون المساس بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور لجميع المواطنين.

ومن ثم، فإن النقاش لا يدور حول أهمية حياد المؤسسة العسكرية فحسب، بل أيضًا حول كيفية تحقيق هذا الهدف مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الدولة الجمهورية وضمان الحقوق الأساسية للأفراد.**

فعندما نتحدث عن هذه المسألة، فإننا نتحدث عن شخصيات مثل الرئيس محمد ولد الغزواني، الذي يحمل رتبة جنرال سابقة، وكذلك محمد بمب مكت، الذي ينتمي بدوره إلى المؤسسة العسكرية سابقًا.

ومن المهم أن أوضح أنني لا أشكك إطلاقًا في شرعيتهما القانونية أو الدستورية. فكلاهما وصل إلى موقعه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها؛ أحدهما انتُخب رئيسًا للجمهورية، والآخر انتُخب نائبًا ثم تولى رئاسة الجمعية الوطنية.

لكن من زاوية التحليل المؤسسي، أرى أن الخلفية العسكرية وما يرتبط بها من مكانة ونفوذ وخبرة وشبكات علاقات يمكن أن تشكل عاملًا مساعدًا في المسار السياسي.

فلو أردت أنا شخصيًا أن أنافس الرئيس غزواني أو رئيس الجمعية الوطنية أو أي جنرال آخر في استحقاق سياسي، فستكون المنافسة غير سهلة. ذلك أن الوصول إلى رتبة جنرال ليس أمرًا عاديًا، بل يمنح صاحبه مكانة معتبرة وتأثيرًا مهمًا داخل المجتمع والدولة.

ومن هذا المنطلق، أرى أن ما أقدمت عليه السلطات الموريتانية من خلال هذا المشروع التشريعي يستحق التقدير، لأنه يأتي في سياق تاريخي ظل فيه للعسكريين حضور قوي في الحياة السياسية.

فالمغزى من الإصلاح، في تقديري، هو أن تقبل المؤسسة العسكرية، ومن ينتمون إليها أو انتموا إليها سابقًا، بمبدأ الفصل الواضح بين المسارين العسكري والسياسي، بحيث لا تتحول الخلفية العسكرية إلى مدخل دائم لممارسة السلطة السياسية.

وأعتقد أن القبول بهذا المبدأ ليس أمرًا يسيرًا، لأنه يقتضي من أصحاب النفوذ العسكري السابقين أن يقبلوا بوضع حدود فاصلة بين الدور العسكري والدور السياسي.

بل إنني، بعد مراجعة عدد من التجارب المقارنة، لم أجد كثيرًا من القوانين المشابهة في الدول الإفريقية أو العربية. ولذلك أرى أن المشروع الموريتاني، من حيث درجة الصرامة والوضوح في معالجة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة، يُعد من أكثر المشاريع تقدمًا في هذا المجال.

فالفلسفة التي يقوم عليها المشروع تبدو واضحة: إذا كان الهدف هو إنهاء التداخل بين الجيش والسياسة، فينبغي القيام بذلك بصورة حقيقية وكاملة، لا من خلال إجراءات شكلية أو جزئية.

وبعبارة أخرى، فإن أصحاب المشروع يعتبرون أن الفصل بين المجالين العسكري والسياسي يجب أن يكون فصلًا فعليًا وحاسمًا، بما يضمن قيام مؤسسة عسكرية مهنية ومحايدة من جهة، وحياة سياسية مدنية مستقلة من جهة أخرى.

وهذا الأمر بالغ الأهمية. بل أستطيع القول إن المشرّع ذهب بعيدًا جدًا في اتجاه الفصل بين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي، إلى درجة أنني أرى أنه كان بالإمكان اعتماد مقاربة أقل تشددًا بعض الشيء.

فالعسكريون، في نهاية المطاف، مواطنون موريتانيون، ويتمتعون بحقوق وحريات أساسية يكفلها الدستور. ومهما كان تقييمنا للنظام السياسي أو لطبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة، فإن الحقوق الأساسية للعسكريين تظل واجبة الحماية والاحترام.

ولهذا أرى أن بعض جوانب المشروع تستحق المراجعة، خاصة ما يتعلق بالقيود أو ما يسمى قانونيًا بـ«حالات عدم التوافق» أو «الموانع القانونية». فهذه القيود لا ينبغي، في تقديري، أن تكون دائمة أو أبدية، بحيث تستمر مدى الحياة.

الأجدر أن تقتصر على الفترة التي يكون فيها هناك خطر حقيقي من استغلال العسكري السابق لنفوذه أو لعلاقاته أو للمكانة التي اكتسبها أثناء خدمته العسكرية للتأثير في الحياة السياسية.

ومن هنا يمكن تصور مرحلة انتقالية أو فترة وسطى، يُمنع خلالها العسكري المتقاعد من ممارسة بعض الأنشطة السياسية، مقابل منحه ضمانات ومزايا تعوضه عن هذه القيود.

فإذا كانت الدولة تطلب من العسكريين التخلي عن بعض الحقوق السياسية خلال فترة معينة، فمن الطبيعي أن تعمل في المقابل على تحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية والمعيشية، سواء من خلال تحسين الرواتب، أو ظروف التقاعد، أو الامتيازات المرتبطة بنظام الاحتياط، أو غير ذلك من التدابير التي تعزز مكانتهم وتقدير المجتمع لهم.

فالهدف ينبغي أن يكون تمكين المؤسسة العسكرية من أفضل الظروف الممكنة للقيام بمهامها، مع ضمان ألا يشعر أفرادها بأنهم مواطنون من درجة أدنى أو أنهم يتحملون أعباء إضافية دون مقابل.

ولهذا أميل إلى فكرة إدخال تعديلات أو ترتيبات تضمن نوعًا من التوازن: فالعسكري يُحرم مؤقتًا من بعض الحقوق السياسية المرتبطة بالترشح أو النشاط الحزبي، لكن في المقابل يحصل على مزايا وتعويضات مناسبة خلال تلك المرحلة.

أما إذا فُرضت عليه هذه القيود دون تحسين ملموس في أوضاعه وظروفه، فقد يؤدي ذلك إلى شعور بالإحباط أو الظلم، وهو ما قد يثير إشكالات لا داعي لها.

لذلك أرى أن من المفيد أن ينص القانون نفسه، أو أن ترافقه إجراءات موازية، تتضمن مزايا أو تعويضات خاصة لفائدة العسكريين المعنيين بهذه القيود، باعتبار أنهم يتحملون التزامات إضافية خدمةً للمصلحة العامة ولضمان حياد المؤسسة العسكرية.

ومن الناحية القانونية والدستورية، فإن هذا النوع من التعويضات أو الامتيازات يمكن تبريره بسهولة، لأنه يأتي مقابل قيود مشروعة تفرضها الدولة لتحقيق هدف دستوري يتمثل في حماية الطابع الجمهوري للمؤسسات وضمان الفصل بين المجال العسكري والمجال السياسي.

ما العلاقة بين هذا المشروع وبين النقاش الأوسع حول بناء الدولة المدنية؟

بالنسبة لي، يمثل هذا المشروع المرحلة الأخيرة أو الحلقة الختامية في مسار الانتقال نحو ترسيخ الدولة المدنية في موريتانيا.

لقد أشرت سابقًا إلى أن هذا المسار بدأ فعليًا سنة 1991، عندما دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحول من النظام العسكري إلى النظام الدستوري المدني. فمنذ انقلاب 1978 وحتى اعتماد دستور 1991، كانت موريتانيا تُحكم من خلال أنظمة عسكرية، حيث كانت الدساتير المدنية معلقة، وتعوضها مواثيق أو نصوص ذات طابع عسكري يمكن وصفها، بصراحة، بأنها أطر دستورية للحكم العسكري.

وفي عام 1991، ولأسباب داخلية وخارجية متعددة، قبل النظام القائم آنذاك الانتقال إلى نموذج مختلف، فتم التخلي عن الإطار العسكري للحكم واعتماد الدستور المدني الحالي، الذي أسس رسميًا لنظام جمهوري مدني.

ومنذ ذلك التاريخ أصبح المبدأ الدستوري واضحًا: العسكريون لا يمارسون السلطة السياسية وهم في الخدمة الفعلية، إلا إذا وقع انقلاب عسكري، وهو أمر استثنائي بطبيعته. وهذا في حد ذاته شكل خطوة مهمة إلى الأمام مقارنة بما كان قائمًا من قبل.

غير أن هذا التطور ظل ناقصًا من وجهة نظري، لأن القوانين المنظمة لوضعية العسكريين بقيت مستندة إلى نصوص قديمة تعود إلى عام 1964. وهذه النصوص كانت تفترض نظريًا أن الجيش منفصل عن السلطة السياسية، في حين أن الواقع الموريتاني منذ عام 1978 كان مختلفًا تمامًا، إذ لعبت المؤسسة العسكرية دورًا مباشرًا في الحكم وفي صناعة القرار السياسي.

ولذلك فإن الاستمرار في الاعتماد على تلك النصوص القديمة كان يخلق نوعًا من التناقض بين القانون والواقع. فمن الناحية الشكلية كان يقال إن العسكريين ممنوعون من ممارسة السياسة، لكن الجميع كان يعلم أن الضابط أو الجنرال يستطيع، بمجرد مغادرته المؤسسة العسكرية، أن ينتقل مباشرة إلى مواقع القرار السياسي، وأن يصبح نائبًا أو وزيرًا أو حتى رئيسًا للجمهورية.

ومن ثم، كان هناك نوع من الفصل الشكلي بين المجالين العسكري والسياسي، دون أن يكون هناك فصل حقيقي وفعلي.

كما أن هذا الواقع خلق لدى كثير من الشباب قناعة مفادها أن المؤسسة العسكرية تمثل الطريق الأسرع نحو النفوذ السياسي والاجتماعي. فبدل الصعود التدريجي عبر الأحزاب والعمل المدني والنقابي والانتخابي، كان يُنظر إلى الجيش باعتباره طريقًا مختصرًا للوصول إلى السلطة.

وبلغة مجازية، كان البعض يرى أن العمل السياسي المدني يشبه صعود السلالم درجة درجة، بينما كانت المؤسسة العسكرية تبدو وكأنها مصعد يختصر الطريق نحو مواقع النفوذ والقرار.

أما الفلسفة الجديدة التي يحملها هذا المشروع فهي مختلفة؛ إذ تقوم على أن الجميع يجب أن يسلكوا المسار المدني نفسه للوصول إلى السلطة السياسية، وألا تتحول الرتبة العسكرية إلى امتياز يمنح صاحبه أفضلية خاصة في المنافسة السياسية.

وبهذا المعنى، فإن الأثر المؤسسي والدستوري الأهم لهذه الإصلاحات يتمثل في السعي إلى الفصل الفعلي بين المجال العسكري والمجال السياسي، وإزالة أي امتياز سياسي محتمل يمكن أن ينتج عن الانتماء السابق للمؤسسة العسكرية.

ومن هذا المنظور، يُنظر إلى المشروع باعتباره خطوة متقدمة في مسار بناء الدولة المدنية وترسيخ مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، بما ينسجم مع فلسفة النظام الجمهوري والدستور الموريتاني.

لقد أعادت هذه المشاريع التشريعية الأمور إلى نصابها من منظور الفلسفة الجمهورية للدولة. ولهذا أعتبرها خطوة كبيرة ومهمة للغاية.

ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد قوانين تقنية عادية من بين عشرات القوانين التي تُعرض على البرلمان كل عام. فهذه ليست نصوصًا إجرائية أو تنظيمية بسيطة، بل هي قوانين ذات طابع استراتيجي عميق، وستكون لها آثار بعيدة المدى على بنية النظام السياسي الموريتاني.

وربما لن ندرك القيمة الحقيقية لهذه الإصلاحات إلا بعد سنوات، عندما تتضح نتائجها العملية. لكنني أستطيع القول منذ الآن إنه إذا أُقرت هذه القوانين، مع بعض التعديلات التي أقترحها شخصيًا، فإنها ستؤسس على الأقل لإطار سياسي جديد تمارس داخله الحياة السياسية في موريتانيا.

وعندها لن يبقى ذلك الشعور الدائم بوجود تأثير أو ضغط عسكري يحوم فوق المنافسة السياسية والانتخابية.

كيف يتقاطع مشروع القانون مع الحوار الوطني المرتقب؟

في رأيي، فإن أفضل خدمة يمكن للحكومة وللجمعية الوطنية أن تقدماها للحوار الوطني هي معالجة هذه المسألة مسبقًا من خلال المسار التشريعي.

وسأكشف لكم أمرًا يتعلق بتجربة سابقة. فعندما كنا نناقش “الميثاق الجمهوري”، وهو اتفاق سياسي جرى التفاوض حوله بين عدد من الأحزاب السياسية والسلطات قبل نحو ثلاث سنوات، كان ممثلو الدولة يرفضون إدراج موضوع المؤسسة العسكرية ضمن الملفات المطروحة للنقاش.

وقد كان الموقف واضحًا: لا نقاش حول الجيش، ولا حوار بشأن وضعيته أو دوره أو موقعه في النظام السياسي.

وحتى اليوم، إذا نظرتم إلى الوثائق التحضيرية للحوار الوطني الجاري الإعداد له، فلن تجدوا حضورًا واضحًا لهذا الملف ضمن المحاور الأساسية، باستثناء إشارات محدودة وردت في بعض مقترحات المعارضة الديمقراطية.

والسبب، في تقديري، أن المؤسسة العسكرية، شأنها شأن كثير من الجيوش في العالم، لا تفضل أن تكون موضوعًا للنقاش السياسي العمومي. كما أن السلطات السياسية غالبًا ما تتحفظ على فتح هذا الملف أمام السجال العام، حتى لا يُفهم الأمر على أنه إخضاع للمؤسسة العسكرية لنقاش سياسي مباشر.

ولهذا أعتقد أن حسم هذه المسألة داخل المؤسسات الدستورية، أي بين الحكومة والبرلمان، يخفف عبئًا كبيرًا عن الحوار الوطني ويجنب المشاركين أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للخلاف.

وبذلك يتم إزالة إحدى نقاط الاحتكاك المحتملة من جدول أعمال الحوار، ما قد يسهل الوصول إلى توافقات أوسع حول بقية القضايا الوطنية.

وما التأثير المحتمل لهذه التحولات على مستقبل التناوب الديمقراطي واستقرار المؤسسات؟

أعتقد أن هذه هي القضية الجوهرية في الموضوع كله.

فالتناوب الديمقراطي يعني أن تنتقل السلطة من طرف سياسي إلى آخر عبر انتخابات حرة ومنافسة متكافئة، بعيدًا عن الضغوط والتدخلات غير الدستورية أو مراكز النفوذ الخارجة عن اللعبة الديمقراطية.

ومنذ سنوات طويلة، كانت المعارضة السياسية في موريتانيا ترى أن أحد العوائق الرئيسية أمام التداول الديمقراطي للسلطة هو استمرار تأثير المؤسسة العسكرية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الحياة السياسية.

وكان يُنظر إلى إمكانية تدخل العسكريين السابقين في المجال السياسي، خصوصًا بعد التقاعد، باعتبارها أحد العوامل التي تجعل المنافسة غير متكافئة.

كما أن تاريخ الانقلابات العسكرية المتكرر منذ عام 1978 رسخ لدى كثيرين شعورًا بأن هناك دائمًا احتمالًا لتدخل المؤسسة العسكرية في مسار السلطة.

أما إذا أزيل هذا العامل، وتم الفصل بوضوح بين المجال العسكري والمجال السياسي، فإن المنافسة السياسية ستصبح أكثر انفتاحًا وتكافؤًا.

وعندها لن يستمد أي فاعل سياسي نفوذه من موقعه السابق داخل الجيش، بل من قدرته على الإقناع والحشد والعمل السياسي المدني.

وهذا من شأنه أن يمنح مختلف القوى السياسية، بما فيها المعارضة، فرصًا أكبر للتنافس والوصول إلى السلطة عبر الآليات الديمقراطية الطبيعية.

وفي حال تطبيق هذه القوانين كما هي مطروحة اليوم، فإن البلاد ستدخل مرحلة جديدة يصبح فيها من غير المألوف أن يتولى أعلى المناصب السياسية أشخاص يستندون إلى خلفية عسكرية سابقة بوصفها مصدرًا للنفوذ السياسي.

وبذلك تتعزز مدنية الدولة، ويتكرس مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة، وتترسخ استقلالية المؤسسات الدستورية على أسس أكثر وضوحًا واستقرارًا.

أشكركم أستاذ لوغرمو عبدول.

الشكر لكم.

Hanevy Dahah

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً