تشير تقارير أمنية ودراسات متخصصة إلى أن روسيا بدأت إعادة ترتيب انتشار قواتها في مالي، في خطوة تأتي عقب سلسلة هجمات منسقة نفذتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد الانفصالية، ضد مواقع عسكرية في شمال البلاد ووسطها.
ووفق معطيات نشرتها مؤسسات بحثية وأمنية دولية، فإن الفيلق الأفريقي الروسي، الذي خلف مجموعة فاغنر في مالي، أعاد نشر جزء من قواته من بعض المناطق الشمالية والوسطى نحو مواقع أكثر قرباً من العاصمة باماكو ومراكز القرار السياسي والعسكري، وشملت التحركات مدناً استراتيجية مثل كيدال وغاو، اللتين مثلتا خلال السنوات الماضية محوراً رئيسياً للعمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة.
وبحسب التقرير فإن هذه الخطوة لا تعكس انسحاباً روسياً كاملاً من مالي، بل تمثل تحولاً في طبيعة المهمة العسكرية الروسية داخل البلاد، فبعد سنوات من المشاركة المباشرة في العمليات البرية، بات التركيز منصباً على حماية المؤسسات السيادية وتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي للجيش المالي، إضافة إلى توسيع استخدام الطائرات المسيّرة والطيران المروحي في ملاحقة الجماعات المسلحة.
ويأتي هذا التحول وفق التقرير، في وقت تواجه فيه السلطات المالية تحديات أمنية متزايدة، مع استمرار نشاط الجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في مناطق واسعة من البلاد، وقد أظهرت الهجمات الأخيرة قدرة تلك الجماعات على تنفيذ عمليات منسقة ضد أهداف عسكرية، رغم الحملات الأمنية التي تنفذها القوات الحكومية وحلفاؤها، وفق رؤية التقرير.
وحذر التقرير من أن تقليص الوجود العسكري الروسي المباشر في بعض المناطق قد يخلق فراغاً أمنياً يسمح للجماعات المسلحة بتعزيز نفوذها وتوسيع نطاق تحركاتها، خاصة في الشمال والوسط حيث تتركز بؤر التوتر الرئيسية، كما يثير هذا التطور تساؤلات بشأن قدرة الجيش المالي على الحفاظ على المكاسب الأمنية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة.
ومنذ انسحاب القوات الفرنسية من مالي وتنامي الحضور الروسي، راهنت السلطات في باماكو على الشراكة العسكرية مع موسكو لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب واستعادة السيطرة على المناطق المضطربة، غير أن التطورات الأخيرة تعكس استمرار التحديات الأمنية في البلاد، وتؤكد أن الصراع في الساحل لا يزال بعيداً عن الحسم، في ظل تعقيدات المشهد الميداني وتشابك الأبعاد المحلية والإقليمية للأزمة.
وأكد التقرير أن إعادة التموضع الروسي قد تكون مؤشراً على مرحلة جديدة من الاستراتيجية الأمنية في مالي، تقوم على تقليل الانخراط المباشر في المواجهات البرية والتركيز على حماية المراكز الحيوية وتقديم الدعم العسكري عن بُعد، وهو ما قد يترك تأثيرات مهمة على توازن القوى بين الدولة والجماعات المسلحة خلال الفترة المقبلة.