تخطَّ إلى المحتوى

دراسة أمريكية: موريتانيا من الدول القليلة التي احتوت تمدد الجماعات المسلحة

Elhoussein tourad
6 دقائق قراءة43

قالت دراسة نشرتها مجلة Texas National Security Review إن موريتانيا تُعد من بين الحالات القليلة في غرب إفريقيا التي تمكنت من احتواء تمدد الجماعات المسلحة، في وقت فشلت فيه العمليات العسكرية في عدد من دول المنطقة في تحويل الضغط على الجماعات المسلحة إلى أمن مستدام.

وأوضحت الدراسة، المنشورة في 5 أكتوبر 2026، أن دول غرب إفريقيا زادت خلال أكثر من عقد من انتشار قواتها، واقتنت معدات عسكرية جديدة، ووسعت شراكاتها الأمنية، لكن هذه الجهود أنتجت في كثير من الحالات اضطرابا مؤقتا لنشاط الجماعات المسلحة، دون أن تمنع عودتها أو توسعها إلى مناطق جديدة.

وأشارت إلى أن جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، وفي مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM وتنظيم الدولة في الساحل IS-Sahel، واصلت الانتشار والتكيف والعمل عبر مناطق واسعة من الساحل وغرب إفريقيا، مستفيدة من ضعف حضور الدولة، والمساحات الحدودية المفتوحة، والنزاعات المحلية، وشبكات الحركة العابرة للحدود.

موريتانيا ضمن الحالات الاستثنائية

وقالت الدراسة إن سجل دول المنطقة ليس موحدا، مشيرة إلى أن موريتانيا وكوت ديفوار تمثلان حالتين تمكنتا من احتواء تمدد الجماعات المسلحة مقارنة بالمسار الذي شهدته أجزاء واسعة من منطقة الساحل.

وبحسب الدراسة، اعتمدت موريتانيا على مزيج من الوحدات المتحركة في المناطق الصحراوية، وتشديد الرقابة على الحدود، والانخراط الديني، وبرامج إعادة الإدماج، ومحاولات توسيع الخدمات الأساسية في المناطق النائية.

وترى الدراسة أن هذه المقاربة ساعدت موريتانيا على الحد من تمدد الجماعات المسلحة، لأنها لم تعتمد على العمليات العسكرية المتقطعة وحدها، وإنما سعت إلى الحفاظ على حضور أمني مستمر في المناطق الحساسة ومنع الجماعات المسلحة من استغلال الفراغات الحدودية والمناطق النائية.

وتضع الدراسة التجربة الموريتانية في سياق أوسع، مشيرة إلى أن احتواء الجماعات المسلحة لا يرتبط فقط بحجم القوة العسكرية، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على حضورها، وحماية السكان، والاستفادة من المعلومات الاستخباراتية، والتحرك السريع، ومنع الجماعات من العودة إلى المناطق التي تم تطهيرها.

فجوة بين النشاط العسكري والنتائج

وترى الدراسة أن المشكلة الرئيسية في غرب إفريقيا تتمثل في وجود فجوة بين حجم النشاط العسكري والنتائج الأمنية المحققة على الأرض.

فالقوات الحكومية، بحسب الدراسة، قد تنجح في الوصول إلى منطقة وطرد المسلحين منها، لكنها تواجه في كثير من الأحيان صعوبة في البقاء فيها، أو تعزيز مواقعها بسرعة، أو منع الجماعات المسلحة من العودة بعد انتهاء العملية.

كما أن أجهزة الأمن تجمع معلومات عن تحركات الجماعات المسلحة، لكن هذه المعلومات لا تتحول دائما إلى تحرك ميداني في الوقت المناسب بسبب ضعف التنسيق بين المؤسسات، ومشكلات القيادة والاتصالات واللوجستيات.

وتشير الدراسة إلى أن القوات التي تعتمد على مواقع ثابتة قد تتمكن من حماية تلك المواقع، لكنها تترك مساحات واسعة بين نقاط الانتشار أمام حركة الجماعات المسلحة، وهو ما يمنح هذه الجماعات فرصة للمراقبة والهجوم والانسحاب وإعادة الانتشار.

لماذا نجحت موريتانيا في الحد من التمدد؟

تربط الدراسة التجربة الموريتانية بعدد من العوامل، أبرزها القدرة على الحفاظ على حضور أمني في المناطق الصحراوية والحدودية، وتعزيز الرقابة على الحدود، والاعتماد على وحدات قادرة على الحركة، إلى جانب أدوات غير عسكرية للتعامل مع التطرف وإعادة الإدماج.

وتشير الدراسة إلى أن هذه المقاربة تختلف عن نمط الاستجابة الذي يقوم على شن عمليات عسكرية واسعة ثم الانسحاب، وهو النمط الذي تقول إنه يسمح للجماعات المسلحة بإعادة تنظيم صفوفها والعودة إلى المناطق التي فقدت السيطرة عليها مؤقتا.

وتؤكد الدراسة أن الوجود المستمر للدولة يمثل عاملا أساسيا، لأن الجماعات المسلحة تستفيد من المناطق التي تكون فيها مؤسسات الدولة ضعيفة أو غائبة، ومن المساحات التي لا تستطيع القوات الحكومية مراقبتها أو التحرك داخلها بصورة منتظمة.

الجماعات المسلحة تستفيد من الفراغات

وتقول الدراسة إن جماعات مثل JNIM وIS-Sahel لا تعتمد فقط على الهجمات العسكرية، وإنما تستفيد من النزاعات المحلية المتعلقة بالأراضي والرعي والموارد وسبل العيش، وتحاول بناء شبكات داخل المجتمعات المحلية.

وتستغل هذه الجماعات ضعف الإدارة والخدمات العامة لتجنيد عناصر جديدة، وفرض الإتاوات، وتنظيم الحركة والتجارة، والتدخل في النزاعات، وتقديم نفسها في بعض المناطق باعتبارها جهة قادرة على توفير الأمن أو الفصل في الخلافات.

وتشير الدراسة إلى أن الجماعات المسلحة لا تحتاج إلى احتلال المدن أو السيطرة الدائمة على الأراضي حتى تمارس نفوذا واسعا، إذ يمكنها استخدام قطع الطرق، وفرض الحصار، وتهديد السكان، والسيطرة على مسارات الحركة والتجارة، ثم الانسحاب وإعادة الانتشار عند تعرضها لضغط عسكري.

أربعة شروط لتحويل القوة إلى أمن مستدام

وترى الدراسة أن تحويل النجاح العسكري الأولي إلى أمن مستدام يتطلب أربعة انتقالات مترابطة، هي تحويل الوجود العسكري إلى حضور مستمر، والمعلومات إلى تحرك، والقوة إلى شرعية، والجهد الوطني إلى تأثير إقليمي.

وتعتبر حماية المدنيين عنصرا محوريا في هذه العملية، لأن قدرة الدولة على حماية السكان وتعزيز الثقة معهم تؤثر مباشرة على تدفق المعلومات، وعلى قدرة الجماعات المسلحة على التجنيد والاختباء داخل المجتمعات المحلية.

كما تشدد على أن العمليات العسكرية لا يمكن أن تحقق نتائج دائمة إذا لم تتبعها مؤسسات مدنية وأمنية قادرة على الحفاظ على الأمن، وتسوية النزاعات، وتقديم الخدمات، وإعادة الإدارة الحكومية إلى المناطق التي انسحبت منها الجماعات المسلحة.

تحديات تواجه جيوش المنطقة

وتشير الدراسة إلى أن زيادة أعداد الجنود أو شراء معدات جديدة لا يؤدي تلقائيا إلى تحسين النتائج، إذا لم ترافق ذلك أنظمة فعالة للتدريب والصيانة والقيادة وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي.

كما أن استخدام الطائرات المسيرة ووسائل المراقبة لا يكون فعالا بالقدر المطلوب ما لم توجد سلسلة متكاملة تبدأ بالكشف وتنتهي بتحليل المعلومات واتخاذ القرار والتحرك الميداني.

وتضيف أن ضعف البنية التحتية وصعوبة التضاريس والمسافات الطويلة تجعل القوات الحكومية أحيانا أبطأ في الحركة من الجماعات المسلحة التي تعتمد على وسائل نقل خفيفة وتستفيد من المسارات الثانوية والمناطق الوعرة.

البعد الإقليمي

وتحذر الدراسة من أن الطبيعة العابرة للحدود للجماعات المسلحة تجعل أي استجابة وطنية محدودة غير كافية، إذ تستطيع هذه الجماعات الانتقال بين الدول، وإعادة تنظيم صفوفها، ونقل الموارد والأسلحة والأموال، واللجوء إلى مناطق لا تستطيع القوات الحكومية ملاحقتها داخلها.

وتشير إلى أن ضعف التعاون الإقليمي، خصوصا بعد انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، أدى إلى إضعاف بعض قنوات تبادل المعلومات والتنسيق والملاحقة العابرة للحدود.

وفي المقابل، ترى الدراسة أن التعاون الثنائي والمحلي القائم على احتياجات عملياتية واضحة يمكن أن يكون أكثر فاعلية، مشيرة إلى أهمية التنسيق بين الدول المتجاورة في مجالات تبادل المعلومات والدوريات ومراقبة الحدود.

القوة العسكرية وحدها لا تكفي

وتخلص الدراسة إلى أن دول غرب إفريقيا لا تعاني بالضرورة من نقص في النشاط العسكري، وإنما من فجوة بين القدرة والنتيجة، إذ تستطيع القوات تنفيذ عمليات ضد الجماعات المسلحة، لكنها لا تستطيع دائما الحفاظ على مكاسبها ومنع عودة تلك الجماعات.

وترى أن الاستراتيجية الأكثر استدامة يجب أن تجمع بين القوات القادرة على الحركة والاستمرار، والاستخبارات الفعالة، وحماية المدنيين، والحضور الإداري، وتسوية النزاعات المحلية، وتحسين الخدمات، والتعاون الإقليمي.

وتشير الدراسة إلى أن تجربة موريتانيا وكوت ديفوار تقدم مثالا على إمكانية احتواء تمدد الجماعات المسلحة عندما تقترن القوة العسكرية بحضور الدولة وحماية السكان والوقاية والتعاون المحلي والإقليمي.

وفي السياق ذاته، تحذر الدراسة من أن التركيز المفرط على العمليات العسكرية قصيرة الأجل قد يؤدي إلى نتائج مؤقتة، بينما يتطلب الأمن المستدام قدرة الدولة على البقاء في المناطق التي تستعيد السيطرة عليها، ومنع عودة الجماعات المسلحة، ومعالجة الظروف المحلية التي تسمح لها بإعادة بناء نفوذها.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي