تخطَّ إلى المحتوى

محمد صالح : تمرد النيجر يكشف هشاشة النظام واعتماده الأمني على الخارج

Lother King
8 دقائق قراءة114

قال محمد صالح إبراهيم، مدير المركز الإفريقي للأبحاث ودراسات السياسات، إن ما جرى داخل القاعدة الجوية 101 في النيجر يعبر بشكل عام عن الحالة التي وصلت إليها الأوضاع في منطقة الساحل، وفي النيجر على وجه الخصوص.

وأوضح خلال مقابلة له مساء أمس الأثنين مع قناة TTV أن المتابع للأحداث يدرك أن ما جرى لم يكن تمرداً محدوداً، وإنما محاولة للانقلاب على الوضع القائم، بعد سنوات رأى خلالها الذين قادوا هذه المحاولة أن التبريرات التي قام عليها انقلاب 2023 لم يتحقق منها شيء، بل إن الأوضاع تدهورت إلى الأسوأ.

وأضاف أن ما جرى يمثل محاولة لتغيير الأوضاع بالطريقة نفسها والآليات نفسها التي تم بها التغيير في 2023، أي محاولة للانقلاب على القيادة التي يرى منفذو التحرك أنها فشلت في تحقيق ما وعدت به عشية انقلاب 2023.

وأشار إلى أن انتقال التحرك إلى مواقع سيادية يكشف هشاشة الأوضاع الأمنية، وضعف الثقة، ووجود ثغرات كبيرة داخل البنية الأمنية للنظام في نيامي.

وأكد أن كثيراً من الخطوات التي اتخذها النظام منذ الانقلاب وحتى اليوم أصبحت محل شك من جانب كثير من الفاعلين المحليين، وليس بالضرورة أن يكونوا عسكريين، بل إن حالة الاحتقان امتدت إلى المجتمع أيضاً.

ولفت إلى أن ما قام به المجلس العسكري خلال السنوات الثلاث الماضية من ممارسات وخطوات وإجراءات، بما في ذلك الحظر والمنع والمتابعات، أدى إلى حالة من الاحتقان شبه الكاملة ضد ما يقوم به المجلس العسكري، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف الثقة.

ورأى أن هشاشة الأوضاع داخل البنية الأمنية للنظام هي أبرز ما يمكن قراءته في الأحداث الأخيرة، معتبراً أن ظهور مثل هذه الحالات يصبح أمراً متوقعاً في ظل هذا المستوى من الهشاشة وضعف الثقة.

وأكد أن الخسائر التي تلحق بالجيش أمام الجماعات المسلحة تمثل عنواناً رئيسياً فيما جرى، موضحاً أن أكثر الوحدات التي شهدت التمرد هي الوحدات التي تقاتل في الميدان وتواجه الحركات الجهادية المسلحة التي تتصاعد عملياتها وتلحق خسائر كبيرة بالجيش.

وأضاف أن ذلك يحدث في مقابل ضعف الجيش من حيث العتاد العسكري وتسليح الجنود، فضلاً عن ظروفهم المعيشية، معتبراً أن هذه العوامل تمثل سبباً رئيسياً فيما جرى خلال اليومين السابقين.

وفي ما يتعلق بالاستعانة بقوات الفيلق الإفريقي الروسي لاستعادة القاعدة، أشار إلى أن أبرز ما يلفت في هذه المحاولة هو أن الجيش النيجري الذي قام بالانقلاب على أساس أن وجود القوات الأجنبية على أرضه لم يوفر الأمن ولم يوفر التنسيق العسكري والمطلوب، عاد واتجه شرقاً واستعان بروسيا، حيث كانت هناك قوات فاغنر سابقاً والفيلق الإفريقي حالياً.

وأوضح أن السلطة حاولت من خلال ذلك استعادة السيطرة الأمنية على حالات التفلت والتمرد، وكذلك على الهجمات التي تنفذها الجماعات الجهادية ضد مراكز السلطة في النيجر، والعاصمة على وجه التحديد.

وأضاف أن وجود الفيلق الإفريقي يمثل، في تقديره، أحد التحديات التي يمكن أن تكون سبباً فيما جرى، موضحاً أن النيجر طردت كثيراً من القوات الأجنبية التي كانت تقدم مساعدات أمنية واستخبارية ومعلوماتية للجيش النيجري وللاستخبارات النيجرية، ثم أصبحت أمام حليف آخر، لكنه يمتلك تجربة وصفها بالمرة في دول الجوار للنيجر، وقد لا يقوم بالمهام كما يتوقع النيجريون.

وأكد أن كثيراً من المحللين والمراقبين ينظرون إلى وجود الفيلق الإفريقي باعتباره ليس نقطة قوة بقدر ما هو نقطة ضعف في البنية الأمنية للنظام في النيجر.

وفي ما يتعلق بالدور الجزائري، قال إن وصول المقاتلات الجزائرية يأتي بدرجة كبيرة في إطار رسالة ردع وتضامن، خصوصاً أن العلاقات بين النيجر والجزائر عادت في الفترة الأخيرة، وهناك محاولة لتعزيزها.

وأشار إلى أن ما يجري في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي دول تقع في الجوار المباشر للجزائر، يشكل دائرة أمنية مهمة بالنسبة إلى الأمن القومي الجزائري، ولذلك حاولت الجزائر أن تبعث برسالة من خلال تحركها.

لكنه أضاف أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، لأنه يتعلق بالبنية الداخلية، وبناء الثقة، ووجود أجندة يمكن أن تكون جامعة للنيجريين في النيجر، وتحقق ما دعا إليه عبد الرحمن، من خلال الانقلاب على محمد بازوم والحكومة المنتخبة في 2023.

وأوضح أن الجزائر انطلقت من فهم مفاده أن هناك هشاشة حقيقية في منطقة الساحل، وأن أي تفلتات أو فوضى أمنية في النيجر يمكن أن تلحق ضرراً كبيراً وتوسع رقعة انتشار الجماعات الجهادية التي تعمل بتنسيق متكامل مع جماعات أخرى ممتدة على طول المنطقة وعرضها.

وحذر من أن الجزائر تخشى حدوث انفلات أمني وانهيار الدولة، وبالتالي انهيار الوضع الأمني في الإقليم بشكل كبير، خاصة أن الجماعات الجهادية في المنطقة جماعات عابرة للحدود، ولا تعمل في منطقة جغرافية أو دولة بعينها.

وأشار إلى أن هذه الجماعات تنسق فيما بينها، معتبراً أن من اللافت أن مختلف الجماعات المسلحة الجهادية، على اختلاف انتماءاتها التنظيمية والأيديولوجية والمناطقية، أصبحت تتفق وتنسق فيما بينها خلال الفترات الأخيرة، وهو ما قال إنه ظهر في مالي على سبيل المثال.

وأكد أن هذا الوضع يضر بالأمن القومي والمصالح الجزائرية بصورة مباشرة، ولذلك تحرص الجزائر على عدم حدوث انهيارات أمنية في المنطقة، معتبراً أن هناك ربما تقديراً لدى الحكومة الجزائرية بأن الوضع ليس كما ينبغي، وأن عليها استدراكه بأي وسيلة ممكنة.

وفي تفسيره لاجتماع الحضور الروسي والجزائري في المشهد نفسه، رغم اختلاف حسابات موسكو والجزائر في منطقة الساحل، رأى أن الأمر ربما يمثل محاولة لتفادي الصدام بين الجزائر والروس في هذه المنطقة، وكذلك تفادي نقاط الاحتكاك التي يمكن أن تلحق أضراراً بمصالح الأطراف.

وأضاف أن تجاوز نقاط التقاطع والاحتكاك يمكن أن يتيح أيضاً نقاطاً للتنسيق بين الطرفين، بما يساعد على تحقيق أوضاع أمنية تؤدي إلى الأمن والاستقرار في المنطقة بشكل عام.

وفي ما يتعلق بتحالف دول الساحل، قال إن الحديث عن نجاحه أو فشله ما يزال مبكراً، لأن هذه الدول نفسها تعاني معاناة كبيرة في التعامل مع الأوضاع الداخلية وتحدي الجماعات المسلحة.

وأوضح أن التحالف، في تصوره حتى الآن، يمثل أمنيات أكثر منه خططاً ومشاريع وبرامج تنفذ على الأرض، مشيراً إلى أن هناك رغبات موجودة، لكن إمكانات هذه الدول لا تزال دون مستوى تحقيق ما تطمح إليه من خلال هذا التحالف.

وأشار إلى أن الهدف من التحالف هو تحقيق الاستقرار والأمن وردع الجماعات التي تتحدى هذه الدول، لكنه لفت إلى أن الجماعات الجهادية في المنطقة أصبحت تمتلك اليد العليا بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.

وأضاف أن ما شهدته مالي من تكرار للهجمات وتحدي السلطات، بما في ذلك في ظل وجود جماعات وقوى خارجية تساعد هذه الدول، يوضح أن المسألة ليست بهذه البساطة.

وأكد أن مواجهة هذا التحدي تتطلب أن ترتقي البنية الأمنية للدول الثلاث، ومستوى أدائها، وتطورها العسكري، إلى مستوى يسمح لها بأن تكون قوة ضاربة قادرة على مواجهة الجماعات التي تتحدى هذه الدول، سواء مجتمعة أو بصورة منفردة.

وأكد أن التمرد أضعف بلا شك شرعية المجلس العسكري، خصوصاً أن هذا المجلس استند في وصوله إلى الحكم إلى وعد باستعادة الأمن.

واعتبر أن التمرد الذي جرى خلال اليومين السابقين يمثل مقدمة سيئة، محذراً من أنه إذا لم يتدارك المجلس العسكري في النيجر المسألة، فقد تعقب هذه المحاولة محاولات أكثر جدية وأكثر ترتيباً وأكثر تنظيماً.

وأوضح أن النيجر توجد في منطقة تتدخل فيها فاعلون من مجتمعات مختلفة، وهناك أطماع فيها وتنافس دولي كبير، ما يعني إمكانية دخول جهات أخرى على الخط، وبالتالي ظهور انقلاب ناجح.

وحذر من أن المحاولة كانت خطيرة بكل معنى الكلمة، وقد تتلوها محاولات أخرى، معتبراً أن مثل هذه المحاولات يمكن أن تحقق النجاح إذا توفرت لها بعض العناصر.

ووصف الأمر بأنه اختبار خطير للمجلس العسكري في النيجر، مؤكداً ضرورة أن يتدارك الوضع بشكل كبير، وأن يراجع حساباته والأجندة التي طرحها من أجل تحقيق الأمن، وأن يدفع بكل ما يمكن أن يحقق الأمن في النيجر.

وفي ما يتعلق بإبعاد فرنسا وتراجع دور الإيكواس، أوضح أن مسألة الاعتماد الخارجي نسبية، فإذا قورنت أعداد القوات الأجنبية التي كانت موجودة في النيجر قبل الانقلاب بأعدادها اليوم، فهناك فرق كبير.

لكنه أشار إلى حدوث انتقال من نوع آخر من الخلل، موضحاً أن الانتقال من مربع الاعتماد على قوات حليفة في المنطقة إلى الاستقلال الحقيقي يترك فجوة كبيرة يتعين على الدولة عبورها.

وأكد أن المطلوب هو بناء القدرات الأمنية والعسكرية التي توفر الحماية والكفاية الأمنية في البلاد.

وأوضح أن ما دفع المجالس العسكرية في دول التحالف الثلاثة إلى الاستعانة بالقوات الروسية خلال الفترة الأخيرة هو اكتشافها أنها لم تصل إلى المستوى الذي يمكنها من مواجهة التحديات، وأنها ما تزال مكشوفة أمنياً وعسكرياً أمام الجماعات المسلحة التي تطورت عملياتها أيضاً وأصبحت، بحسب وصفه، أشبه بجيوش شبه منظمة.

وأضاف أن هذه الدول لجأت إلى استدعاء خبراء والدعوة إلى جيوش الدول التي كانت تساعدها في السابق، بدلاً من المرور بفترة انتقالية يمكن خلالها بناء قدراتها الذاتية.

وأكد أن القفز مباشرة إلى الاستقلال دون المرور بمرحلة انتقالية تعمل فيها هذه الدول على بناء قدراتها هو ما جعلها تلجأ مباشرة إلى الروس وتستعين أيضاً بقوى أجنبية أخرى.

ورأى أن هذا الوضع أحدث خللاً وطرح السؤال مجدداً: ما الذي تغير إذن؟ فقد أُخرجت قوات غربية وجيء بقوات من دول أخرى.

وفي تقييمه لوضع السلطة بعد إحباط التحرك، قال إن ما تكشف هو وجود ثغرات كبيرة في الجدار الأمني وفي بنية النظام الأمنية.

وأشار إلى أن ذلك يكشف مدى تخلخل الأوضاع وهشاشتها وحجم الثغرات الموجودة في البنية الأمنية للنظام، معتبراً أنها ثغرات خطيرة بكل معنى الكلمة إذا لم يتم تداركها.

وحذر من أن مستقبل استمرار هذه البنية قد يصبح موضع شك، خصوصاً على المستوى المجتمعي والسياسي، مشيراً إلى وجود فجوات كبيرة بين الحكام في النيجر ودول التحالف الثلاثة وبين المجتمعات التي تحكمها هذه المجالس العسكرية.

وأكد أن هذه الفجوات تتسع يوماً بعد يوم، الأمر الذي يطرح أسئلة كثيرة على هذه المجالس العسكرية بشأن الوجهة التي تتجه إليها، محذراً من أن المستقبل قد يكشف ثغرات أخرى كثيرة.

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً