قال محمد عينين ولد أحمد، الخبير البيئي ورئيس الجمعية الموريتانية للسلامة والصحة المهنية والمحافظة أن السيانيد مادة تُستخدم في مجال التعدين من أجل تنقية الذهب، مشيراً إلى أن استخدام هذه المادة ما يزال قائماً في عدد من الدول الإفريقية والنامية، رغم خطورتها العالية.
وأكد خلال مقابلة له مساء اليوم الاثنين مع قناة TTV أن السيانيد مادة شديدة السمية، ويمكن أن تتسرب إلى المياه والتربة، كما يمكن أن تدخل إلى جسم الإنسان عن طريق الاستنشاق أو ملامسة الجلد.
وأشار إلى أن خطورة السيانيد تكمن في تأثيره على خلايا الدم الحمراء وارتباطه بالحديد الموجود في الهيموغلوبين، ما يمنع الجسم من إنتاج الطاقة اللازمة لتشغيل الدماغ والقلب، وقد يؤدي إلى الوفاة.
وأضاف أن وجود السيانيد داخل دورة إنتاج مغلقة لا يلغي مخاطره، إذ يمكن أن يحدث التسرب في أي لحظة، ولذلك لا بد من اتخاذ إجراءات صارمة في التخزين والاستخدام والنقل والتخلص من المخلفات.
وأوضح أن السيانيد يجب أن يُخزن في أماكن جيدة التهوية، وبعيدة عن المياه والأحماض، وفي حاويات مغلقة بإحكام، لا يصل إليها إلا الأشخاص المسؤولون عن التعامل معه.
وأشار إلى أن موريتانيا تشهد استخداماً واسعاً للسيانيد، سواء في التعدين الأهلي أو التعدين الحديث، مستشهداً بمناطق مثل جوجات وتازيازت.
وحذر من أن نتائج استخدام السيانيد قد لا تظهر مباشرة، وإنما يمكن أن تتراكم آثاره وتظهر على المدى المتوسط أو البعيد، معرباً عن أمله في ألا تشهد موريتانيا كارثة بيئية بسبب الكميات الكبيرة المستخدمة من هذه المادة.
وأكد أن الكشف عن أي تسرب يتطلب إجراء فحوص مخبرية للتربة والمياه، موضحاً أن العينات ينبغي أخذها خلال 24 إلى 48 ساعة عند الاشتباه بحدوث تسرب.
وأضاف أن التأخر في أخذ العينات قد يؤدي إلى صعوبة اكتشاف آثار السيانيد، نتيجة انتقاله في البيئة أو تسربه إلى مناطق أخرى من التربة.
وأشار إلى أن التربة والمياه هما المؤشران الأساسيان للكشف عن التسرب، مع إمكانية فحص الهواء أيضاً، وإن كان بدرجة أقل أهمية مقارنة بالتربة والمياه.
وأوضح أن دورة التعامل مع السيانيد تبدأ منذ استيراده من الخارج ونقله إلى المناجم، مروراً باستخدامه في عملية استخراج الذهب، وصولاً إلى معالجة مخلفاته والتخلص منها.
وأكد أن السيانيد لا يختفي بمجرد انتهاء عملية استخراج الذهب، وإنما تبقى مخلفاته وآثاره، وهو ما يجعل التخلص منها مرحلة شديدة الخطورة.
وأشار إلى أن التخزين يجب أن يتم في حاويات شديدة الإغلاق، وفي أماكن جيدة التهوية وبعيدة عن المياه والأحماض، محذراً من أن ملامسة المادة للماء أو الأحماض قد تؤدي إلى تفاعلات خطرة.
وأضاف أن التعرض المتكرر لكميات محدودة من السيانيد قد يؤدي إلى تراكم آثاره داخل الجسم، وقد تظهر أعراض صحية على المدى البعيد، من بينها التعب والآلام أو التمزق العضلي واضطرابات الإحساس العصبي.
وأكد أن جميع مراحل استخدام السيانيد تنطوي على مخاطر، سواء النقل أو التخزين أو الاستخدام أو التخلص من المخلفات.
وأشار إلى أن مرحلة النقل من أخطر المراحل، خصوصاً عندما يتم نقل المادة بواسطة الشاحنات عبر طرق تمر بالقرب من التجمعات السكانية، لأن أي حادث قد يؤدي إلى انتشار المادة وتعريض السكان للخطر.
وأضاف أن المخاطر تشمل أيضاً العاملين داخل المناجم والحيوانات التي قد تتعرض للسيانيد أو لمخلفاته.
وأوضح أن الشركات التي تستخدم السيانيد تعتمد على أحواض إسمنتية لخلط المواد المستخدمة في عملية الاستخراج، ثم يتم التعامل مع المخلفات ودفنها.
وحذر من أن هذه الطريقة تحمل مخاطر إذا لم تتم مراقبة المخلفات ومعالجتها وفق بروتوكول علمي دقيق، لأن الأحواض قد تتشقق مع مرور الوقت، ما يسمح بتسرب المواد إلى التربة أو أعماق الأرض.
وأكد أن التخلص من النفايات يتطلب متابعة مستمرة ومعالجة وفق مراحل وبروتوكولات علمية واضحة.
وأضاف أن مرحلة النقل تحتاج إلى الكثير من التحسيس والتكوين، كما أن مرحلة التخلص من النفايات تحتاج إلى الالتزام الصارم بالمعايير العلمية.
وأوضح أن آثار السيانيد يمكن أن تتراكم، ولذلك قد تظهر نتائج التعرض له في وقت لاحق، سواء على المدى المتوسط أو البعيد.
وأشار إلى أن الشركات المنجمية مطالبة بتنظيم لقاءات مع المجتمع المدني ووزارة البيئة والخضوع للرقابة، مؤكداً أن استخدام السيانيد لا يقتصر على الشركات الكبيرة، بل تستخدمه أيضاً شركات صغيرة وبكثرة.
وأضاف أن السيانيد يُستخدم في مناطق مثل الشامي، محذراً من المخاطر الكبيرة التي يمكن أن تترتب على ذلك، خصوصاً في المدن القريبة من البحر، مثل الشامي وتازيازت.
وأكد ضرورة وجود رقابة بيئية حقيقية ومستمرة، داعياً إلى الاستعانة بمكاتب دولية متخصصة في اكتشاف آثار السيانيد وتحديد نطاق تأثيراته.
وأشار إلى أن السيانيد يُستخدم في موريتانيا منذ أكثر من عشرين عاماً، موضحاً أن استخدامه يعود تقريباً إلى عام 2009 ويستمر حتى اليوم، وهو ما يستوجب، حسب قوله، التعامل بجدية مع المخاطر المحتملة.
وحذر من أن ترك الشركات تأخذ العينات بنفسها وترسلها إلى مختبرات تختارها قد يطرح إشكالاً يتعلق بالاستقلالية والشفافية.
وأضاف أن وجود علاقات خاصة بين الشركات وبعض المختبرات قد يؤدي، بحسب مخاوفه، إلى نتائج لا تعكس حقيقة التأثير البيئي، معتبراً أن هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة.
ووصف هذا الأسلوب بأنه عمل غير وطني، محذراً من أن الأجيال المستقبلية قد تدفع ثمنه، وأن استمرار الوضع دون رقابة حقيقية قد يؤدي إلى كارثة بيئية.
وأكد أن القانون الموريتاني يتيح الرقابة البيئية على الشركات، لكنه أشار إلى أن الإشكال يكمن في الوسائل المتاحة لممارسة رقابة بيئية حقيقية ومستقلة.
ودعا إلى الاستعانة بالمكاتب والخبرات الدولية المتخصصة، مؤكداً أن ذلك يتطلب الكثير من العمل والوطنية والجدية.
وأوضح أن الهدف ليس محاربة الاستثمار أو عرقلة المستثمرين، بل تشجيع الاستثمار مع حماية البيئة وصحة الإنسان، محذراً من أن غياب الرقابة قد يؤدي إلى أضرار خطيرة على العمال والسكان المحيطين بالمناجم.
وأضاف أن ارتفاع الوفيات، إن ثبت ارتباطه بالأنشطة المنجمية أو المواد الكيميائية المستخدمة فيها، يستوجب تدقيقاً علمياً مستقلاً، مؤكداً ضرورة استمرار الرقابة وعدم الاكتفاء بإجراءات شكلية.
وشدد على أن الرقابة يجب أن تكون مستمرة، مكرراً أن حماية البيئة وصحة السكان يجب أن تكون أولوية إلى جانب الاستثمار.
وبخصوص المسؤولية في حال إثبات حدوث تسرب، أكد أن الجهة المشغلة للموقع يجب أن تتحمل مسؤوليتها كاملة.
وأوضح أن الشركات العاملة في هذا المجال لديها التزامات تجاه موريتانيا وتجاه الأطر والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة، مشدداً على أن الشركة المستغلة تتحمل مسؤولية الأضرار التي يثبت ارتباطها بنشاطها.
وأشار إلى أن المخاطر كبيرة في المناطق المنجمية، متحدثاً عن وجود وفيات في *بعض المناطق، ومتمنياً ألا تكون تلك الوفيات مرتبطة بتأثير السيانيد أو غيره من المواد الكيميائية الخطرة.
وأكد أن المواد الكيميائية يمكن أن تؤثر على الإنسان على المدى القريب أو البعيد، وأن بعض آثارها قد لا تظهر إلا بعد سنوات من التعرض.