اعتبر خبير علوم التربية أحمد المقري أن التركيز على حالات الغش في امتحان الباكالوريا لا ينبغي أن يحجب المشكلة الأساسية التي يعاني منها التعليم، والمتمثلة في ارتفاع نسب الرسوب، داعيا إلى معالجة الأسباب البنيوية التي تقف وراء ضعف النتائج بدلا من الاقتصار على الإجراءات الرقابية.
وقال ولد المقري، خلال مداخلة في النشرة التحليلية على قناة TTV، إن أساليب الغش تطورت مع التطور التكنولوجي، بعد أن كانت تقتصر في السابق على الوسائل التقليدية، مشيرا إلى أن التعامل مع الظاهرة يجب ألا يقتصر على ضبط السلوك الظاهر، بل يتطلب فهما للدوافع النفسية والتربوية التي تدفع بعض التلاميذ إلى محاولة الغش.
وأوضح أن التوتر والضغط النفسي المصاحبين للامتحانات الإشهادية، وخاصة الباكالوريا، يمثلان أحد العوامل التي قد تدفع بعض المترشحين إلى البحث عن وسائل مساعدة، مؤكدا أن دور المراقب لا يقتصر على ضبط المخالفات، بل يشمل أيضا تهيئة أجواء مناسبة تساعد المترشحين على أداء الامتحان في ظروف طبيعية.
وأضاف أن معالجة حالات الغش ينبغي أن تبقى في إطار مراكز الامتحان، معتبرا أن الإعلان عنها إعلاميا لا يخدم العملية التربوية، مشيرا إلى أن عدد الحالات المسجلة يبقى محدودا مقارنة بإجمالي عدد المترشحين، ولا يعكس -في رأيه- ظاهرة واسعة تستوجب هذا القدر من التركيز.
وفي المقابل، رأى ولد المقري أن نسب النجاح المتدنية في الباكالوريا تمثل المؤشر الأكثر إثارة للقلق، موضحا أن استمرار نسب النجاح عند حدود متدنية، في حدود ثمانية في المائة خلال السنوات الأخيرة، يستدعي تقييما علميا شاملا لمنظومة التعليم.
وأكد أن ارتفاع نسب الرسوب بهذا الشكل لا يمكن تحميل مسؤوليته للتلاميذ وحدهم، بل يفرض مراجعة المناهج الدراسية، وطرق التدريس، وآليات التقويم، والتكوين، والبيئة التعليمية، معتبرا أن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يستند إلى الخبرة والدراسات العلمية.
ودعا إلى تحديث نظام الامتحانات بما يواكب تطور المناهج الحديثة، معتبرا أن الامتحانات الوطنية ما تزال تعتمد أساليب تقويم تقليدية لم تشهد تطورا يواكب التحولات التي عرفتها النظم التعليمية.
كما انتقد العقوبات التي تقضي بحرمان المترشح من مواصلة الامتحان بسبب الغش، معتبرا أن التعامل مع المخالفة ينبغي أن يكون متناسبا مع طبيعتها، وأن تقويم السلوك التربوي يجب أن يتم خلال السنة الدراسية، وليس خلال الامتحانات الإشهادية.
وأشار إلى أن النزاهة الأكاديمية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية والجهات المشرفة على الامتحانات، مؤكدا أن تطوير جودة التعليم يتطلب ترسيخ ثقافة النزاهة، إلى جانب مراجعة طرق إعداد الامتحانات وآليات التقويم، بما يحقق التوازن بين قياس الحد الأدنى من الكفاءات والتمييز بين مستويات المتفوقين، ويعزز مصداقية النتائج.