تخطَّ إلى المحتوى

لوغورمو عبدول: منع العسكريين من السياسة يجب أن يكون مؤقتاً لا مدى الحياة

Lother King
5 دقائق قراءة341

قال المحامي والخبير القانوني لوغورمو عبدول إن مشروعَي القانون الرامييْن إلى منع العسكريين من ممارسة النشاط السياسي يمثلان تحولاً حقيقياً وعميقاً في مسار بناء الدولة الجمهورية في موريتانيا، مشيراً إلى أن الأمر يتعلق في حقيقته بقانونين اثنين؛ أحدهما خاص بالضباط والآخر يشمل بقية أفراد القوات المسلحة.

وأشار في مداخلة له على قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية أمس الثلاثاء، إلى أن هذين القانونين يهدفان في مجملهما إلى تعزيز استقلالية المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي، وتمكينها من التفرغ لمهامها المهنية بما يسهم في مزيد من التحديث والاحترافية، ويُمكّنها من الاضطلاع بدورها الطبيعي في خدمة الأمن الوطني بعيداً عن الصراعات الحزبية والتجاذبات السياسية.

وأكد لوغورمو عبدول أن الهدف الجوهري من هذا المسار التشريعي هو بناء جيش جمهوري حقيقي، حديث ومحترف، يضم أطراً كفؤة تحركها إرادة خدمة الوطن لا الانخراط في الألعاب السياسية، مشدداً على أن هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل يمثل طموحاً سعت إليه البلاد منذ فترة طويلة وبات اليوم ضرورة ملحّة.

الفرق بين الحياد ومنع المشاركة: 

وأوضح الخبير القانوني أن حياد المؤسسة العسكرية ومنع العسكريين من المشاركة السياسية وجهان لمسألة واحدة، مبيناً أن العسكريين أثناء الخدمة الفعلية لا يحق لهم أصلاً الانخراط في العمل السياسي وهذا منصوص عليه حتى في التشريعات الحالية، غير أن الإشكال الحقيقي يبرز عند التقاعد.

وأضاف أن الإصلاحات الجديدة تسعى إلى إبقاء المتقاعدين ضمن إطار “الاحتياط” أو “قوات الاحتياط”، بمعنى أنهم رغم خروجهم من الخدمة الفعلية يظلون في خدمة الوطن ويمكن الاستفادة من خبراتهم عند الحاجة، مما يجعل السماح لهم بممارسة العمل السياسي في ظل هذا الارتباط المستمر بالمؤسسة العسكرية أمراً قد يُفضي إلى توترات وإشكاليات تمس استقلالية الجيش وحياده.

وشدد على أن ما هو جديد في هذين القانونين هو إبقاؤهما على بعض الالتزامات الملقاة على عاتق العسكريين حتى بعد التقاعد، ومن أبرزها الامتناع عن إلقاء الخطابات السياسية، والتعليق العلني على شؤون البلاد، والانخراط في الحملات الانتخابية، والترشح للمناصب السياسية، أو دعم المرشحين والأحزاب.

الديمقراطيات الراسخة والمعيار الدولي: 

واستعرض لوغورمو عبدول كيف تُنظّم الديمقراطيات الحديثة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية، مؤكداً أنها تقوم على مبدأ أساسي مفاده أن المؤسسة العسكرية وظيفتها خدمة الدولة من خلال الحكومات المدنية المنتخبة، وأنه لا يمكن للقوة العسكرية التي تمتلك وسائل الإكراه أن تكون في الوقت ذاته الجهة التي تتخذ القرار السياسي وتحكم البلاد.

وأشار إلى أن موريتانيا شهدت منذ أواخر السبعينيات انقلابات عسكرية متكررة أفضت إلى حضور قوي للمؤسسة العسكرية في المشهد السياسي، لافتاً إلى أنه منذ عام 1978 وحتى اليوم، باستثناء فترة الرئيس المدني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله والمرحلة الانتقالية التي قادها اعلي ولد محمد فال، فإن جميع رؤساء الدولة كانوا من خلفية عسكرية.

وأوضح أن هذا الواقع رسّخ لدى كثير من الموريتانيين انطباعاً بأن المؤسسة العسكرية ما زالت حاضرة في السلطة مهما تعددت الانتخابات والأحزاب والمؤسسات المنتخبة، بل تعزز هذا التصور بحضور ضباط سابقين في مواقع قيادية داخل الدولة على مستوى رئاسة الجمهورية ورئاسة مؤسسات دستورية أخرى.

إشكاليات قانونية ودستورية: 

ودعا لوغورمو عبدول إلى إدخال بعض التعديلات على ما وصفه بـ”التشدد الكبير” الذي يتضمنه مشروع القانون، مؤكداً أن موقفه هذا يعبّر عن قناعة قانونية ومبدئية لا دفاعاً عن العسكريين، إذ يرى أن العسكري مثل أي مواطن آخر يتمتع بحقوق وحريات يكفلها الدستور.

وأضاف أنه من السهل تبرير منع العسكري من ممارسة السياسة أثناء الخدمة الفعلية، لكن السؤال المشروع هو: هل يجوز الاستمرار في تقييد حقوقه السياسية بشكل دائم بعد التقاعد؟ مقترحاً في هذا السياق اعتماد فترة انتقالية محددة زمنياً، قد تمتد خمس سنوات أو عشراً، يُحظر خلالها على المتقاعد الانخراط في العمل السياسي، ثم يصبح بعدها مواطناً كامل الحقوق يمكنه الترشح لرئاسة الجمهورية أو الجمعية الوطنية أو أي منصب آخر.

وأوضح أن المبرر في ذلك أن العسكري المتقاعد لا يفقد فوراً كل ما راكمه من نفوذ وعلاقات ومعارف داخل المؤسسة العسكرية، وأن ثمة “منطقة رمادية” في المرحلة التي تعقب التقاعد مباشرة يظل فيها تأثيره قائماً، مما يبرر القيود المؤقتة دون أن تكون أبدية.

التأثير على توازن المؤسسات: 

وشدد الخبير القانوني على أن القانون الجديد يسعى إلى معالجة ظاهرة انتقال النفوذ العسكري إلى المجال السياسي، مستشهداً بما هو شائع في الأوساط الشعبية من عبارات من قبيل: “هل لديك جنرال يدعمك؟” أو “إذا أردت حل مشكلتك فابحث عن جنرال”، معتبراً أن هذه التعابير تعكس صورة راسخة لدى جزء من الرأي العام حول حجم النفوذ الذي يُعتقد أن بعض القيادات العسكرية السابقة تمارسه في الحياة العامة.

وأكد أنه لا يشكك في شرعية الرئيس محمد ولد الغزواني ولا في شرعية رئيس الجمعية الوطنية محمد بمب مكت، إذ وصل كلاهما إلى موقعه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، غير أنه يرى من زاوية التحليل المؤسسي أن الخلفية العسكرية وما يرتبط بها من مكانة وشبكات علاقات يمكن أن تشكّل عاملاً مساعداً في المسار السياسي يصعب على المواطن العادي منافسته.

خطوة متقدمة في بناء الدولة المدنية: 

وأكد لوغورمو عبدول أن هذا المشروع يمثل المرحلة الأخيرة في مسار الانتقال نحو ترسيخ الدولة المدنية في موريتانيا، مسار بدأ فعلياً عام 1991 حين اعتُمد الدستور المدني الحالي الذي أسّس رسمياً لنظام جمهوري مدني، لافتاً إلى أن الاستمرار في الاعتماد على نصوص تشريعية تعود إلى عام 1964 كان يخلق تناقضاً بين القانون والواقع.

وأشار إلى أن الفلسفة الجديدة التي يحملها المشروع تقوم على أن الجميع يجب أن يسلكوا المسار المدني ذاته للوصول إلى السلطة، وألا تتحول الرتبة العسكرية إلى امتياز يمنح صاحبه أفضلية خاصة في المنافسة السياسية، معرباً عن اعتقاده بأن من بحث في التجارب المقارنة في الدول الأفريقية والعربية لن يجد كثيراً من القوانين المشابهة في درجة صراموتها ووضوحها.

دعوة إلى التوازن بين القيود والمزايا: 

ودعا الخبير القانوني إلى أن يتضمن القانون أو أن ترافقه إجراءات موازية تتضمن مزايا وتعويضات للعسكريين المقيدين، سواء من خلال تحسين الرواتب أو ظروف التقاعد أو الامتيازات المرتبطة بنظام الاحتياط، مؤكداً أن فرض القيود دون تحسين ملموس في أوضاعهم قد يفضي إلى شعور بالإحباط وإشكاليات لا داعي لها.

وخلص إلى أن هذه الإصلاحات، إن أُقرّت مع التعديلات المناسبة، ستؤسس لإطار سياسي جديد تمارس داخله الحياة السياسية في موريتانيا بعيداً عن أي ضغط أو تأثير عسكري يحوم فوق المنافسة الانتخابية، وهو ما سيعزز مدنية الدولة ويُرسّخ مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة على أسس أكثر وضوحاً واستقراراً.

Lother King

محرّر في تقدمي