تخطَّ إلى المحتوى

خبير اقتصادي: تقلبات النفط العالمية تكشف هشاشة المنظومة الطاقوية في موريتانيا

Lother King
3 دقائق قراءة319

قال المتخصص في الشأن الاقتصادي، سيدي الخير عمرو إن التراجع الأخير في أسعار النفط العالمية وصولاً إلى عتبة 80 دولاراً للبرميل يعود بشكل مباشر إلى التقلبات الجيوستراتيجية العالمية، لاسيما بعد اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية نحو الالتزام بالاتفاق الموقع مع إيران بدفع من شركاء مشرفين مثل باكستان وغيرها، مما أعطى زخماً جدياً لانفراج الأوضاع وانعكس انخفاضاً بنسب معتبرة في الأسواق الدولية.

وأوضح في مقابلة مع قناة “TTV” ضمن نشرتها التحليلية، مساء الثلاثاء، أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين أسعار النفط عالمياً وأسعار المحروقات محلياً، مبيناً أن موريتانيا تقع ضمن نطاق 80% من دول العالم المستوردة للطاقة، والتي تتأثر تلقائياً بالأزمات والتقلبات التي تحدث في مناطق الإنتاج العالمية، وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط التي تمثل الشريان الاقتصادي للعالم وتتميز بوفرة مواردها النفطية وانخفاض تكاليف استخراجها.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى المعضلة المتمثلة في غياب تكرير النفط محلياً، حاصراً أسباب عدم انعكاس انخفاض النفط عالمياً بنفس السرعة التي ينعكس بها ارتفاعه على السوق المحلية في عدة اعتبارات هيكلية؛ أبرزها أن موريتانيا تستورد المحروقات في مرحلتها الثانية (ما بعد التكرير) ولا تستورد النفط الخام لتكريره محلياً، وهو ما يحرم البلاد من الاستفادة القصوى من الهبوط السعري وخلق قيمة مضافة عبر إنتاج البنزين، والمازوت، والكيروسين، ومادة الإسفلت، ويجعل السعر المحلي رهيناً لتكاليف التكرير العالمية لشركات دولية لا تملك الدولة سلطة التحكم في أسعارها.

وأكد أن معايير تحديد سعر المحروقات في موريتانيا شهدت تحولاً هاماً بعد أن مرت بمراحل اعتمدت فيها الدولة سعراً ثابتاً محدداً عند خارطة حرارية تتراوح بين 75 و78 دولاراً للبرميل بغض النظر عن التقلبات العالمية، حيث استحدثت الحكومة مع بداية يناير 2026 آلية جديدة تجنح نحو تحرير أسعار المحروقات.

وأضاف أن وزير النفط والطاقة محمد ولد خالد، صرح في الأول من يناير 2026 بأن الهدف من هذه الآلية التلقائية هو تمكين المواطن الموريتاني من الاستفادة من الانخفاضات العالمية لتخفيف أعبائه المعيشية، غير أن انطلاقها تزامن للأسف مع أزمة طاقة عالمية صعدت بالأسعار، مما حرم المستهلك من تلمس نتائجها الإيجابية بشكل سريع.

وأردف مبيناً أن السعر عند المضخة يتم تحديده دورياً كل شهر بناءً على كوكتيل من المعايير التي لا نتحكم في غالبيتها والتي تشمل: السعر العالمي لبرميل النفط الخام.
تكاليف الشحن والتأمين والنقل الدولي، تكاليف التوزيع الداخلي واللوجستيات والضرائب والرسوم المالية المفروضة، وهي معايير تتحرك صعوداً وهبوطاً وتجعل المواطن في الخط الأمامي لتلقي الصدمات السعرية مباشرة.

وشدد على أن أثر الانخفاض العالمي يستغرق عادة ما بين شهر ونصف إلى شهرين ليظهر في السوق المحلية، نظراً للفوارق اللوجستية الكبيرة بين موريتانيا ودول الإقليم التي تملك سلاسل توريد قوية وقدرات تخزينية هائلة وموانئ سريعة للمناولة، وزاد بالقول إن البلاد تعاني من مشكلة عميقة تعود إلى غياب بنية تحتية تخزينية للطاقة؛ فحتى لو أتت سفن عملاقة تحمل ملايين الأطنان لا نملك القدرة الاستيعابية لتفريغها، فضلاً عن أن موانئ نواكشوط ما زالت بعيدة عن المعايير العالمية لاستقبال الشحنات الضخمة للسفن العملاقة، مما يفقد سلسلة التوريد انسيابيتها ويحمل المستهلك تكاليف إضافية.

وتوقع الخبير الاقتصادي، أنه في حال استمرار الأسعار العالمية في التراجع، فإن الانفراجة المحلية ستحدث بعد نحو شهرين، لتكون القطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة مثل قطاعات التصنيع، النقل، والخدمات هي المستفيد الأول، مما سينعكس إيجاباً على الخدمات والسلع والإنتاج.

ولفت المتخصص الاقتصادي إلى جانب يتعلق بغياب الشفافية الكاملة للمستهلك البسيط؛ فرغم أن الجهة المسؤولة عن تحديد الأسعار هي “اللجنة الوطنية للمحروقات” وأن الآلية الموضوعة تبدو شفافة للبنائيين والمتخصصين، إلا أن تفاصيلها الفنية لم تصل للمواطن العادي بعد، وما يزال يشوبها الغموض حول تكلفة الشركة الموردة “أداكس” (Addax)، وتكلفة النقل والشحن وعلى أي أساس يتم اعتبار وجود ارتفاع في الشحن عالمياً قياساً بدول الجوار.

ودعا صانعي القرار إلى استغلال هذه الظرفية الحالية لقراءة الأزمة والاستفادة من الثغرات المكتشفة في البنية الطاقوية للبلد، مؤكداً وجود عجز هيكلي يتطلب بناء مخازن قادرة على توفير احتياطي استراتيجي يجنب البلاد الصدمات الخارجية.

كما حث على ضرورة تسريع السياسات الاستراتيجية الهادفة لربط الغاز الموريتاني المستخرج من “الحقل الأحمر” بمحطة الطاقة في مدينة “روصو” وببقية محطات التوليد ومشاريع الطاقة المتجددة، معتبراً أن دمج هذه المشاريع وتسريعها يمثل صمام الأمان الوحيد للبلد، ودونه سنظل دائماً عرضة للصدمات الخارجية ولتقلبات أسعار الطاقة العالمية في ظل التغيرات الاستراتيجية العميقة التي يمر بها العالم.

Lother King

محرّر في تقدمي