قال المحامي والخبير القانوني لوغورمو عبدول إن الجدل القانوني المرتبط بالرسائل والمرافعات في القضايا ذات الطابع السياسي والقضائي لا يمكن فصله عن مضمونها، مؤكداً أن ممارسة حق الدفاع تظل مكفولة قانونياً سواء قبل صدور الأحكام أو بعدها، غير أن تقييمها الحقيقي يرتبط بما تحتويه من معطيات وحجج قابلة للإثبات.
وأوضح عبدول، خلال مقابلة على قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية مساء الاثنين، أن الإشكال الجوهري في عدد من القضايا يتمثل في مسألة توزيع الاختصاص بين القضاء العادي والمحكمة العليا، مشيراً إلى أن التهم المرتبطة بممارسة الوظيفة، مثل استغلال النفوذ وإساءة استخدام الصلاحيات، تُعد من الأفعال المرتبطة مباشرة بالمهام الدستورية، ما يجعلها ضمن اختصاص المحكمة العليا.
وأضاف أن هذا التصنيف يقوم على معيار “ارتباط الفعل بالوظيفة”، بحيث إن أي سلوك ناتج عن ممارسة الصلاحيات العامة، حتى وإن تضمن تجاوزاً أو انحرافاً، يظل ضمن إطار المساءلة الدستورية الخاصة، في حين يقتصر دور القضاء العادي على الجرائم التي لا ترتبط مباشرة بالمهام الرسمية.
وفي المقابل، شدد الخبير القانوني على أن جرائم الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال تقع ضمن اختصاص القضاء العادي، لأنها تعتمد على معايير مالية بحتة تقوم على مقارنة التصريحات الرسمية بالثروة الفعلية، والتحقق من مصادر الزيادة في الممتلكات.
وبين أن الإثراء غير المشروع يقوم على عجز الشخص عن تبرير الفارق بين دخله المصرح به وثروته المكتسبة، بينما يتعلق تبييض الأموال بإخفاء المصدر الحقيقي للأموال وإدخالها في الدورة الاقتصادية بطرق تحول دون تتبعها قانونياً، ما يجعل عنصر الشفافية المالية محوراً أساسياً في هذه الجرائم.
وتوقف عبدول عند بعض الدفوع التي يقدمها متهمون في هذا النوع من القضايا، خاصة ما يتعلق بادعاء تلقي مبالغ أو هبات مالية كبيرة، معتبراً أن هذه الادعاءات، في غياب وثائق رسمية أو تحويلات مصرفية أو أدلة قابلة للتتبع، تظل غير كافية لإثبات الوقائع، وقد تتحول إلى قرائن ضد أصحابها إذا لم تدعم بمعطيات دقيقة.
كما أشار إلى أن التعامل بالعملات الأجنبية خارج القنوات المصرفية الرسمية يطرح إشكالات قانونية واضحة، نظراً لأن القوانين المالية تلزم بالمرور عبر البنك المركزي والمؤسسات المصرفية لضمان الشفافية ومكافحة غسل الأموال.
وفي ما يتعلق بالجدل الدستوري، أوضح عبدول أن الطعون المتعلقة بدستورية قوانين مكافحة الفساد، وخاصة ما يرتبط بمبدأ عدم رجعية القوانين، لم تُقبل من الجهات المختصة، التي اعتبرت أن هذه النصوص لا تتعارض مع الدستور أو الالتزامات الدولية، بل تندرج ضمن جهود مكافحة الجرائم الاقتصادية.
وأضاف أن الدفع بكون بعض الوقائع سابقة على صدور القوانين لا يغير من الإطار القانوني، لأن التطبيق يستند إلى طبيعة الفعل نفسه وليس فقط إلى توقيته، خصوصاً في الجرائم ذات الطابع المستمر أو ذات الآثار المالية الممتدة.
وتطرق الخبير القانوني أيضاً إلى الجدل المرتبط باستقلالية القضاء، معتبراً أن الحديث عن “تسييس العدالة” يظل في الغالب جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي، في حين أن تقييم الأحكام القضائية يظل محكوماً حصراً بالقانون ومساطر التقاضي.
وأكد على أن هذه القضايا تعكس تداخلاً بين القانون والسياسة، غير أن الحسم النهائي فيها يبقى من اختصاص القضاء وحده، استناداً إلى الأدلة والوقائع، بعيداً عن القراءات السياسية أو الإعلامية المتباينة.