تخطَّ إلى المحتوى

أحمدو ولد عبد الله لـ Insight: لا حلّ عسكرياً في مالي، والتسوية السياسية حتمية (مقابلة)

Hanevy Dahah
15 دقائق قراءة1٬139

يرى أحمدو ولد عبد الله أن أزمة مالي ليست طارئة، بل ممتدة تاريخياً منذ ستينيات القرن الماضي، وقد تطورت من تمردات شمالية ذات طابع إثني إلى أزمة مركبة تشمل أبعاداً داخلية ودينية واقتصادية، ما جعلها أكثر تعقيداً وخطورة.

وأكد ولد عبد الله في مقابلة مع برنامج insight على قناة TTV أن ما يجري اليوم تجاوز الإطار الوطني، ليصبح تهديداً إقليمياً مفتوحاً يطال مجمل دول الساحل، مع احتمالات “تأثير الدومينو” عبر تدفقات اللاجئين، وتفكك الأنشطة الاقتصادية، واتساع شبكات التهريب.

يشدد على أن الحسم العسكري غير ممكن في مثل هذا الصراع، بحكم طبيعته غير التقليدية وتعدد الفاعلين فيه، مع ضعف القدرات اللوجستية حتى لدى حلفاء مالي، ما يجعل التسوية السياسية الخيار الوحيد الواقعي.

ويطرح ملامح هذه التسوية عبر:

  • مصالحة شاملة مع الطبقة السياسية (في الداخل والمنفى)
  • إصدار عفو عام
  • إعادة بناء العلاقات مع الجوار، خصوصاً اقتصادياً

كما يحذر من:

  • تفاقم الطابع القبلي للصراع مع استمرار الأزمة
  • توسع الجماعات الجهادية بحثاً عن المجال والموارد
  • تنامي الاقتصاد غير المشروع (تهريب، مخدرات، هجرة)

ويرى أن تداعيات الأزمة ستصيب الدول المجاورة، بما فيها موريتانيا، رغم إشادته بسياساتها المنفتحة تجاه اللاجئين، مع التنبيه إلى مخاطر التسلل والتهريب.

على المستوى الجيوسياسي، يدعو إلى توازن في العلاقات الدولية (روسيا، الصين، تركيا) دون الدخول في محاور، مع التأكيد على أن ضعف الدولة يجعل إدارة هذه التوازنات صعبة.

في المحصلة، يخلص إلى أن مستقبل مالي مفتوح على عدة سيناريوهات، بما فيها الانهيار، لكن الفرصة الوحيدة لتفادي ذلك تكمن في حوار سياسي عاجل وواقعي يتجاوز الماضي ويتعامل مع موازين القوى كما هي.

المقابلة كاملة:

ما يجري في مالي لم يعد بالإمكان التعامل معه كقضية داخلية محصورة داخل حدودها. فقد تطوّر ليصبح مصدر تداعيات إقليمية تختبر صمود دول الساحل برمّتها. إن تصاعد الهجمات، واتساع نطاق الاشتباكات، وعودة التحالفات التكتيكية بين الجماعات المسلحة، كلها مؤشرات على أننا لم نعد أمام أزمة دولة واحدة، بل إزاء فضاء أمني متزايد الانفتاح والتقلب.

من باماكو إلى الشمال، تعيد التحولات الميدانية تشكيل موازين القوى، مع تداعيات تمتد إلى ما وراء مالي لتطال الدول المجاورة. وبالنسبة لدول مثل موريتانيا، تثير هذه التطورات تساؤلات ملحّة حول الأمن والاستقرار. معكم مقدّمتكم نجاح دهاه، ونركّز في حلقة الليلة على تطوّر الوضع في مالي وانعكاساته على دول الجوار في منطقة الساحل.

وينضم إلينا لمناقشة هذه الديناميات المتسارعة وتداعياتها العابرة للحدود، وزير سابق ومبعوث أممي وخبير بارز في شؤون الساحل، السيد عبد الله. أهلاً بكم في البرنامج.

سؤال:. . أودّ أن أبدأ بالسؤال: إلى أيّ مدى يستطيع النظام العسكري بقيادة عاصمي غويتا استعادة السيطرة على الوضع الأمني عقب الهجمات المنسّقة في أبريل 2026؟ وهل يمثّل ذلك بداية انهيار الدولة، أم مجرّد تصعيد مؤقّت في تقديركم؟

أحمدّو ولد عبد الله: شكراً جزيلاً. إنها فرصة طيبة للتعرّف على هذه القناة التلفزيونية الموريتانية، ويسعدني كثيراً أن أكون معكم لأول مرة. ثانياً، السؤال مهم للغاية. أعتقد شخصياً أن وضع مالي، إذا نُظر إليه بجدية، ليس جديداً. فمنذ استقلالها، أو بشكل أدق منذ عام 1966، تعيش مالي حالة أزمة، ليست بالضرورة سياسية، بل ذات طابع إقليمي أو إثني. وقد بدأت في الشمال، خصوصاً لدى ما يُعرف بالطوارق أو العرب.

ثم تطوّرت بعد الستينيات إلى أزمات داخلية في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول في عام 2012 إلى مسألة أكثر خطورة. وأتذكّر أنني كنت في باماكو عندما أُطيح بالرئيس المنتخب إبراهيم بوبكر كيتا، وجاء النظام الجديد. إذا نظر هذا النظام إلى المستقبل وسعى إلى المصالحة، فذلك أمر إيجابي. أما إذا ظلّ ينظر إلى الماضي، فكما ذكرت، فإن الأزمة قائمة منذ 1964، وبالتالي لا بد من القيام بشيء لتجاوزها والعودة إلى السلام والاستقرار.

سؤال: للتوضيح، كنتم هناك يوم الانقلاب؟.. كنتم في مالي يوم الانقلاب؟

أحمدّو ولد عبد الله: نعم، كنت في مالي بالصدفة يوم الانقلاب على إبراهيم بوبكر كيتا، وجاء هذا النظام الجديد. لم يكن مرحّباً به كثيراً، لكن مالي معتادة على مثل هذه الانقلابات؛ فهذه ليست الأولى. لقد عرفوا سابقاً قائداً التزم بوعده، إذ لم يمكث سوى عام واحد قبل أن ينظم انتخابات ويغادر. ثم جاء كوناري، الذي التزم بدوره بولايتين فقط.

لم يكن الأمر سهلاً آنذاك، لكن الوضع اليوم أكثر خطورة لعدة أسباب، من بينها تراكم المشكلات. كانت الأزمة في البداية محصورة في الشمال، أو بشكل أدق في المكوّن العربي، ثم أصبحت أزمة داخلية، ثم أضيف إليها بُعد ديني. ومن خلال تجربتي، فإن هذه الأزمة كلما طال أمدها، ازدادت تشعّباً، ودخلت فيها أبعاد اقتصادية، مثل الاتجار بالسجائر والمخدرات، وكذلك الهجرة. وبالتالي أصبح الوضع بالغ الخطورة، سواء بالنسبة لمالي أو لسكانها أو لجيرانها.

سؤال: نعم، برأيكم ما هو العامل الأكثر تأثيراً؟ وما دور القطاع الخاص؟

أحمدّو ولد عبد الله: القطاع الخاص، كما هو الحال في أي بلد، يسعى إلى توفير فرص العمل لمواطنيه وضمان سير أعماله بشكل طبيعي.

لسوء الحظ، في ظل هذا الوضع، أصبحت مالي في حالة شلل. ونعلم جميعاً أن مالي دولة حبيسة. لم تعد هناك علاقات نقل بالسكك الحديدية مع السنغال. كما أن الوضع مع بلدنا هنا، موريتانيا، صعب للغاية لأن الميناء بعيد. ويُعد ميناء كوناكري الأقرب، لكنه ليس خياراً سهلاً. أما ميناء أبيدجان، وهو الأكثر خبرة، فالوصول إليه ليس سهلاً أيضاً بسبب توتر العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع كوت ديفوار.

لذلك آمل، من أجل مالي ومن أجل رؤيتها المستقبلية، أن تعود إلى السلام والتفاهم في أقرب وقت ممكن.

وفيما يتعلق بسؤالكم حول تأثير انسحاب مجموعة فاغنر واستبدالها بما يُعرف بالفيلق الإفريقي على فعالية العمليات العسكرية المالية، خاصة في مواجهة التحالف بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين… أود أن أقول إن الوضع في مالي، بشكل عام، ينبغي وضعه في سياقه الأشمل، أي سياق العنف. فهناك من يسميه إرهاباً، وهو بالفعل كذلك.

ومن الصعب جداً التعامل مع هذا النوع من التهديد باستخدام جيش تقليدي. فالأمر يتطلب جيشاً قوياً، منظماً، ومزوداً بإمكانات كبيرة. ومع ذلك، رأينا قوى كبرى في أفغانستان تضطر إلى الانسحاب، كما اضطرت قوى أوروبية وأمريكية وإفريقية إلى الانسحاب من الصومال.

عندما يكون الصراع أهلياً، ومن واقع تجربتي، فإنه لا يكون صراعاً تقليدياً. فلا توجد مواجهة مباشرة بين جيشين نظاميين، بل يكون هناك جيش رسمي في مواجهة مجموعات متعددة ذات دوافع مختلفة.

هناك جيش نظامي في مواجهة مجموعات متعددة تتحرك بدوافع مختلفة: قبلية، دينية، مرتبطة بالتهريب، وغير ذلك. لذلك لا أرى أن الجيش المالي قادر على الحسم العسكري. لقد ساعدتهم فرنسا، ومنعت في عام 2012 المتمردين من السيطرة على باماكو. ثم، وهو أمر طبيعي، حدثت خلافات بينهم. واليوم لديهم حليفان هما النيجر وبوركينا فاسو، لكنني لا أعتقد أن لديهما القدرة اللوجستية الكافية لتقديم الدعم. لذلك فإن الحل الأفضل هو تسوية سياسية.

سؤال: وإلى أي مدى أسهم الحصار الاقتصادي، خاصة في ما يتعلق بالوقود وسلاسل الإمداد الذي تفرضه الجماعات المسلحة، في تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية داخل مالي؟ وما هي انعكاسات ذلك على شرعية النظام العسكري؟

أحمدّو ولد عبد الله: في رأيي، هذا سؤال ممتاز. كما تعلمون، جميع الدول، وخاصة الدول الحبيسة، تعتمد بشكل كبير على الاقتصاد. ومالي دولة حبيسة، ومن الصعب جداً الحصول على الإمدادات عبر ميناء موريتانيا، كما أن الأمر أكثر صعوبة عبر ميناء دكار في السنغال. وبالتالي تبقى البلاد في وضع هش إذا غابت الأمن واستمرت الأزمة. وكلما طال أمد الأزمة، ازداد طابعها القبلي.

وربما يكون بعض العسكريين غير مستعدين، أو لن يكونوا مستعدين، للقتال ضد ما يمكن تسميتهم بأبناء عمومتهم أو أبناء مناطقهم. لذلك أرى أن الحل الأفضل لمالي، وكذلك للبلدين الآخرين، هو التوصل في أقرب وقت ممكن إلى تسوية سياسية وإحلال السلام مع الجيران.

سؤال: ولكن كيف يمكن تحقيق هذا السلام؟

أحمدّو ولد عبد الله: يمكن تحقيقه دون التخلي عن النظام، إذا أراد ذلك.

لكن لدى مالي طبقة سياسية، ومعظمها في المنفى. وهناك أيضاً شخصيات معروفة، مثل صديق لي، موسى مارا، رئيس الوزراء الأسبق، وهو في السجن. وإذا كان هناك سياسيون أو رجال أعمال في المنفى، وآخرون في السجون، فيمكن إصدار عفو عام عنهم والدعوة إلى مصالحة. هناك أيضاً شخصيات مثل “ليم جو” (كندان أمور) وصديقه، وهما في المنفى كذلك. فلماذا لا تكون هناك دعوة للسلام وتسوية شاملة، تشمل—إذا لزم الأمر—عفواً حتى عن القادة الحاليين، كحل ممكن؟

سؤال: دعونا نوسّع النقاش قليلاً إلى تداعيات الوضع على دول الساحل المجاورة. ما هي القدرة الحقيقية لتحالف دول الساحل وقوته المشتركة على مواجهة التهديد الجهادي المتصاعد، خاصة في أعقاب الهجمات الأخيرة في مالي، ومع خطر امتدادها إلى بوركينا فاسو والنيجر؟

أحمدّو ولد عبد الله: حسناً، هذا أيضاً سؤال مهم جداً، بل واقعي. تحالف دول الساحل—بوركينا فاسو ومالي والنيجر—يواجه صعوبات في التعامل مع مشكلاته الأمنية الداخلية لعدة أسباب، من بينها اتساع الأراضي، وضعف الموارد المتاحة لدى الجيوش وقوات الأمن لدعم الجوانب اللوجستية. وفي بوركينا فاسو، يزداد الوضع سوءاً مع تفاقم التوترات بين المكونات الإثنية.

لذلك، أرى أن الأفضل هو أن يعمل القادة الثلاثة، بما لديهم من خبرة، على التوصل إلى تسوية، أي تسوية داخلية تُمكّن من تجاوز الأزمة. فاليوم أصبحت حركات التمرد صعبة الهزيمة، لأنها تمتلك موارد، وتستفيد من وسائل اتصال سهلة. ونرى ذلك في مالي، كما نراه في النيجر. وبالتالي عليهم أن يعيدوا النظر في سياساتهم: تحسين السياسات الداخلية، وتعزيز التفاهم مع دول الجوار.

جميع هذه الدول، على سبيل المثال، يعتمد ميناؤها التقليدي على أبيدجان في كوت ديفوار. وقطع العلاقات، أو حتى تجميد العلاقات الاقتصادية مع كوت ديفوار كما هو الحال في مالي، ليس أمراً مفيداً.

سؤال: إذن، فالتسوية السياسية تعني تسوية إنسانية وتفاهمًا دبلوماسيًا؟

أحمدو ولد عبد الله: نعم.

سؤال: وهل تعتقد أن هذا التصعيد قد يُحدث تأثير الدومينو، بما يهدد استقرار تحالف دول الساحل ككل، أم أنه قد يشكّل حافزاً لتعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي بين الدول الثلاث؟

أحمدو ولد عبد الله: نعم، هذا أيضاً سؤال مهم جداً في نظري. لا شك أن هناك احتمالاً لتأثير الدومينو، ولكن في اتجاه سلبي. فقد يؤثر ذلك حتى على دول غير معنية مباشرة بالأزمة، بحكم التقارب السكاني، وتدفقات اللاجئين، وحركة النازحين داخلياً. وحتى الدول التي لا علاقة مباشرة لها، مثل كوت ديفوار، وغينيا كوناكري، والسنغال، وموريتانيا، قد تتأثر بتدفقات اللاجئين، وبحركة السكان، والأسوأ من ذلك، بالانعكاسات الاقتصادية، بما في ذلك تراجع أنشطة مثل استغلال الذهب وتربية المواشي، وهو ما لا يخدم الاستقرار.

سؤال: كيف أثّر الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، والتوجه نحو الاعتماد على الذات داخل تحالف دول الساحل، على قدرة هذه الدول الاقتصادية في مواجهة الأزمات الإنسانية، بما في ذلك النزوح وانعدام الأمن الغذائي؟

أحمدّو ولد عبد الله: كما تعلمون، هذه المؤسسات تمتلك برامج جيدة وسياسات سليمة، لكن المشكلة تكمن في القدرات. وأعرف، على سبيل المثال، أن إيكواس عيّنت مؤخراً شخصية متميزة، دبلوماسياً سابقاً في الأمم المتحدة، أعرفه جيداً، وهو أيضاً رئيس وزراء سابق لغينيا. يتمتع بخبرة كبيرة… هو يتحدث عدة لغات، لكن هل سيستمع إليه الناس أم سيرون في مبادرته مؤامرة؟ في تقديري، ينبغي التعامل مع الواقع كما هو: حركة البشر، فتح المزيد من الحدود، ومحاولة تحسين الأوضاع الاقتصادية لإعطاء الأمل للناس. أما أنا، فبطبيعتي أميل إلى قدر كبير من التحفظ؛ لا أستطيع أن أكون متشائماً، لكنني أيضاً لست متفائلاً بشأن المستقبل. وإذا استمرت هذه السياسات، فقد تُفضي إلى مزيد من التمرد.

يمكنهم كذلك الاستعانة بالقادة السياسيين في المنفى، ومحاولة إطلاق مسار مصالحة. ولم لا؟

سؤال: ما هي المخاطر الأمنية المباشرة التي تطرحها الأزمة في مالي على موريتانيا والجزائر، خاصة فيما يتعلق بتدفقات اللاجئين المحتملة، وتسلل عناصر جهادية عبر الحدود المشتركة، والتهديدات التي قد تطال خطوط الإمداد في الجنوب؟

كما تعلمون، أي بلد يعيش أزمة—وخاصة مالي التي تعيش أزمة منذ فترة طويلة، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو—لا شك أن تداعيات اقتصادية واجتماعية وإنسانية ستنعكس على الدول المجاورة.

وفي رأيي، أظهرت موريتانيا قدراً كبيراً من التسامح، وأنا سعيد جداً بأن الحكومة الموريتانية بادرت إلى فتح مخيمات واستقبال اللاجئين، لأن اللاجئين هم ضحايا مضاعفون: ضحايا للعنف، وضحايا للسلطات أيضاً. لذلك أُثمّن هذا الانفتاح في سياسات الحكومة الموريتانية، إذ لا يمكننا ببساطة أن نبتعد عن مالي، بل علينا أن نحاول فهم وضعها.

سؤال: لكن، هل تدرك مالي ذلك؟

أحمدو ولد عبد الله: هناك أيضاً مخاوف من أن استقبال موريتانيا لأعداد متزايدة من اللاجئين قد يرافقه تسلل عناصر متطرفة إلى داخل البلاد.

لا شك أنه مع تزايد أعداد اللاجئين، قد يتسلل بينهم أفراد من فئات مختلفة، من بينهم قادة جماعات متطرفة، وكذلك مهربون. غير أن الأخطر، من واقع تجربتي، في الأزمات الحدودية هو الاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات، والسجائر، وكل أشكال التجارة غير المشروعة. ولا شك أن هذه الأنشطة ستتوسع في جميع الدول المجاورة.

لكن حتى مع وجود عناصر متطرفة، لا بد من التعامل مع الأمر. فعندما تكون دولة مجاورة، عليك أن تتعايش مع الواقع؛ لا يمكنك أن تبيع البلد وترحل. لذلك يجب العمل، والأمل معقود على أن تكون الحكومة المالية واعية وتفهم هذه المعطيات.

سؤال: إلى أي مدى يشكل توسع الجماعات الجهادية انطلاقاً من مالي، مثل تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، تهديداً لاستقرار دول غرب إفريقيا الساحلية، كالسّنغال وغينيا وكوت ديفوار؟ وهل نحن بصدد تشكّل ما يشبه “حلقة من النار” تتجه نحو الساحل الأطلسي؟

أحمدّو ولد عبد الله: نعم، كما ترون، في معظم مناطق النشاط الإرهابي، هناك نزعة لدى الجماعات المتمردة—خاصة تلك التي تدّعي العمل باسم الدين—إلى التوسع. فهي تحتاج إلى مزيد من المجال للتمركز، وتوفير الموارد، وتجنيد الأفراد.

وفي تقديري، ليس في مالي وحدها، بل هناك مناطق متعددة أصبحت بمثابة “مناطق حرة” لهذه الجماعات. ولهذا السبب، شهدنا حالات اختطاف رهائن، كما أن عمليات الإفراج عنهم تمت داخل مالي، عندما تم احتجازهم وإطلاق سراحهم مقابل فدية.

لم يتم إطلاق سراحهم في النيجر أو بوركينا فاسو أو السنغال أو كوت ديفوار أو غينيا أو موريتانيا، بل تم الإفراج عنهم في مالي. ولذلك، فإن اتهام موريتانيا، في رأيي، أمر مجحف للغاية؛ لأن ما تحتاجه أي دولة عندما تواجه أزمة داخلية هو الحفاظ على علاقات جيدة مع جيرانها، أياً كانت الظروف. هذا هو رأيي.

سؤال: كيف يؤثر هذا الوضع على التوترات الجيوسياسية بين الجزائر ودول الساحل، خاصة في ظل النزاعات الحدودية والمخاوف من تحوّل مالي إلى ما يشبه “أفغانستان إفريقية”، إن صح التعبير؟

أحمدّو ولد عبد الله: مرة أخرى، العلاقة بين مالي والجزائر قديمة جداً. فقبل استقلال الجزائر في عام 1962 بعدة سنوات، كان أول رئيس لمالي، موديبو كيتا، داعماً بقوة لحركة التحرر الجزائرية. كما أن الرئيس المالي الأسبق موسى تراوري كان مسؤولاً عن المنطقة السابعة التي تشمل أساساً كيدال وغاو. وأتذكر أن وزير الخارجية في عهد إبراهيم بوبكر كيتا، كان والده سائقاً لدى قيادات جزائرية خلال فترة الاستقلال.

وعندما حصلت الجزائر على استقلالها، كانت بدورها داعمة لمالي. بل إن الجزائر، في مرحلة معينة، ساهمت بحوالي 40% من النفقات العسكرية لمالي، من خلال تقديم المعدات والدعم اللوجستي. وبالتالي، فأنتم جيران، ولا يمكنكم الابتعاد عن بعضكم.

الحل الأفضل هو التفاهم. ولذلك أرى أن سؤالك في غاية الأهمية. إن سوء الفهم أو الخلافات بين البلدين لا يخدم أي طرف، بل قد تؤدي هذه الأزمة إلى تفاقمها، لأن كل طرف قد يلقي باللوم على الآخر.

سؤال: ما حدود النفوذ الروسي في مالي بعد الهجمات الأخيرة؟ وهل يمكن أن يؤدي فشل “الفيلق الإفريقي” إلى تمهيد الطريق لعودة محتملة للنفوذ الغربي أو الأمريكي في المنطقة؟

أحمدّو ولد عبد الله: في البداية، وعند الاستقلال سنة 1960، وخلال فترة الحرب الباردة، كانت روسيا والصين من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال مالي، وكانت مالي آنذاك تميل إلى المعسكر اليساري. وأعتقد أن دولاً مثل الصين وروسيا وتركيا لها اليوم قدر من النفوذ في مالي، ولا أرى في ذلك أمراً سلبياً. فالحكومة المالية، وكذلك منظمات المجتمع المدني، حرة في تبنّي السياسات التي تراها مناسبة. وليس هناك ما يمنع من إقامة علاقات صداقة مع من تشاء، لكن ينبغي ألا يكون ذلك على حساب أطراف أخرى، خاصة عندما لا تتوفر لديك القدرة على إدارة هذه التوازنات. لذلك، لا بأس في إقامة علاقات مع روسيا، ولكن ليس ضد أي طرف، خصوصاً في ظل محدودية القدرة على التحكم في تداعيات ذلك.

سؤال: ما هي، في تقديركم، السيناريوهات المستقبلية الأكثر ترجيحاً في مالي؟ هل يمكن أن نشهد انهياراً للدولة، أم مفاوضات مع الجماعات الجهادية، أم ربما انقلاباً جديداً؟ وكيف يمكن أن يؤثر كل سيناريو من هذه السيناريوهات على استقرار منطقة الساحل ككل؟

أحمدّو ولد عبد الله: حسناً، هذا أيضاً سؤال مهم للغاية. ينبغي على أي جهة مسؤولة أن تضع في الحسبان جميع السيناريوهات الممكنة. انهيار النظام قد يحدث؛ فقد أُطيح بأحد أصدقائي عندما سيطر المتمردون. وهذا السيناريو وارد. لكن الحل الأفضل ليس في إسقاط الأنظمة، بل في الإسراع بفتح حوار أو مسار تفاوضي يشمل مختلف النخب، المدنية والعسكرية والاقتصادية، من أجل مناقشة الوضع، وخاصة العمل على بناء علاقات جيدة مع محيطها الإقليمي، بما في ذلك تسهيل الوصول إلى الموانئ، مثل ميناء كوناكري، لتحقيق قدر من الاستقرار.

سؤال: ولكن، هل يُعدّ ذلك خياراً واقعياً؟

أحمدّو ولد عبد الله: أعتقد أنه لا بد أن يكون خياراً واقعياً. فأنتم في وضع يشبه ربّ أسرة يواجه تهديداً مباشراً؛ أنتم في مأزق عميق، فقدتم السيطرة على وزارة الدفاع، وخسرتم الكثير من الأفراد، وأجزاء من البلاد لم تعد تحت سيطرتكم. من الأفضل التعامل مع الواقع، لا مع الأيديولوجيا، والتعامل مع الحاضر لا مع الماضي. هذا ما أراه، استناداً إلى التجربة.

من الأفضل معالجة المشكلة وهي ما تزال قابلة للحل، بدل تركها تتعفن حتى تخرج عن السيطرة، كما يُقال.

سؤال: هل يمكن للحلول الإقليمية، مثل مبادرات الوساطة التي تقودها توغو كجسر بين تحالف دول الساحل والمجتمع الدولي، أن تحدّ فعلياً من تداعيات الأزمة المالية على الإقليم؟ أم أن التركيز على استعادة السيادة قد يُعمّق الفراغ الأمني القائم؟

أحمدّو ولد عبد الله: مرة أخرى، الأولوية الآن هي لمالي نفسها. أعلم أنهم عيّنوا مبعوثاً خاصاً، وأن هناك خبرة داخل إيكواس، لكنها تظل منظمة جيدة من حيث الهيكلة، غير أنها لا تمتلك القدرة على إرسال قوات عسكرية، بل يقتصر دورها على تقديم المشورة.

أعتقد أن الحل الأفضل لمالي هو المصالحة مع القادة السياسيين، وإصدار عفو شامل عنهم، ودعوتهم إلى اللقاء والحوار. قد لا يكون اللقاء في باماكو لأسباب أمنية، لكن يمكن إيجاد مكان آخر، مثل كوت ديفوار أو غيرها، لعقد لقاءات تمهّد لمصالحة شاملة. كما ينبغي، عند التوصل إلى حل، إيجاد مخرج مناسب للجميع، بما في ذلك رئيس الدولة.

خاتمة: بهذا نصل إلى ختام حلقة اليوم. شكراً لكم، السيد عبد الله، على مشاركتكم معنا، وعلى هذه الإضاءات المهمة حول موضوع بالغ الحساسية. كما نشكر مشاهدينا الكرام، وإلى اللقاء في حلقة قادمة.

أحمد ولد عبد الله: شكراً جزيلاً لكم. الشكر موصول لكم، وآمل أن نشهد قريباً تسوية تصب في مصلحة المنطقة بأسرها.

الفيديو الأصلي للمقابلة باللغة الإنجليزية:

Hanevy Dahah

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً