تشير دراسة اقتصادية حديثة صادرة عن موقع “ماركوبوليس” إلى أن موريتانيا تدخل عام 2026 مرحلة اقتصادية وصفها الموقع بالحاسمة، مع تحولات تدريجية من اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على استخراج الموارد الطبيعية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً يقوم على سلاسل القيمة، والصناعة المحلية، وجذب الاستثمارات الخاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات.
وبحسب التقرير، فإن موريتانيا التي ظلت لعقود تعرف باقتصاد قائم على التعدين والصيد، ثم أضيف إليه قطاع الغاز في السنوات الأخيرة، باتت اليوم تُصنف كاقتصاد في مرحلة انتقالية يسعى إلى تحويل ثرواته الطبيعية إلى نمو أكثر استدامة وشمولاً، ويؤكد التقرير أن البلاد لم تعد تُنظر إليها فقط كمصدر للمواد الأولية، بل كمنصة إقليمية محتملة للطاقة والتعدين واللوجستيك بين غرب إفريقيا والمغرب العربي والأسواق العالمية.
وعلى المستوى الماكرو اقتصادي، يشير تحليل “ماركوبوليس” إلى أن المؤشرات العامة في موريتانيا أظهرت قدراً من التحسن خلال السنوات الأخيرة، مدعومة بسياسات نقدية ومالية وُصفت بالحذرة، إلى جانب تحسن نسبي في أسعار المواد الأولية عالمياً، غير أن التقرير يلفت في المقابل إلى استمرار هشاشة بنيوية مرتبطة بتركيز الاقتصاد في عدد محدود من القطاعات، خاصة الصناعات الاستخراجية التي تمثل نحو 19% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما يوضح أن الإيرادات العمومية بلغت حوالي 96 مليار أوقية جديدة، أي ما يعادل 22.5% من الناتج المحلي، في حين تمثل الاستثمارات العمومية نحو 8.8% من الناتج، مع بقاء الدين العام في حدود 42%، واحتياطات النقد الأجنبي قادرة على تغطية نحو 6.4 أشهر من الواردات، ويعتبر صندوق النقد الدولي، وفق ما ينقل التقرير، أن السياسة المالية الحذرة ساهمت في امتصاص تقلبات أسعار السلع الأساسية والحفاظ على استقرار نسبي في المالية العامة.
وفي ما يتعلق بالقطاعات الرئيسية، يبرز التعدين كركيزة أساسية للاقتصاد الموريتاني، مع وجود أكثر من 900 موقع معدني مكتشف في البلاد، تشمل الحديد والذهب والنحاس، ويشير التقرير إلى أن هذا القطاع يشهد تحولات نحو التحديث، خاصة في مجالات النقل واللوجستيك والبنية التحتية الصناعية، مع استمرار دور الشركة الوطنية للصناعة والمناجم “سنيم” وشركات دولية أخرى في تطوير النشاط الإنتاجي.
أما قطاع الغاز، فيوصف بأنه المحرك الجديد للاقتصاد الموريتاني، خصوصاً مع اقتراب اكتمال المرحلة الأولى من مشروع “السلحفاة آحميم الكبير” بنسبة تقارب 98%، ويؤكد التقرير أن هذا القطاع بدأ فعلياً في خلق طلب متزايد على الخدمات الهندسية، والصيانة الصناعية، والتجهيزات البحرية، وإدارة النفايات الصناعية، وأن تأثيره المتوقع سيتوسع تدريجياً ليشمل دعم الكهرباء والبنية التحتية وجاذبية الاستثمار الصناعي.
وفي قطاع الصيد البحري، يشير التحليل إلى أنه رغم أهميته الاستراتيجية وامتلاك موريتانيا لساحل يمتد لأكثر من 750 كيلومتراً، إلا أن القيمة المضافة المحلية ما تزال محدودة، بسبب ضعف التحويل الصناعي وسلاسل التبريد والتصديق والتصدير، ويعتبر التقرير أن الفرص المستقبلية تتركز في تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالأسماك وتعزيز البنية اللوجستية.
أما الزراعة وتربية المواشي، فتظهر كأحد أهم رهانات التنويع الاقتصادي، حيث تستورد البلاد أكثر من 70% من احتياجاتها الغذائية، رغم توفر إمكانات زراعية ومخزون حيواني يُقدّر بأكثر من 30 مليون رأس، ويشير التقرير إلى أن الاستثمار في الصناعات الغذائية والخدمات البيطرية وسلاسل التوزيع يمثل أحد أهم مسارات تقليل التبعية الغذائية.
وفي محور البنية التحتية والطاقة، يبرز التقرير أن موريتانيا تشهد توسعاً في مشاريع الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات، مع ارتفاع نسبة الولوج إلى الكهرباء إلى نحو 57%، وتزايد الاعتماد على الطاقات المتجددة، ويعتبر أن هذه الاستثمارات تشكل العامل الحاسم في تحسين مناخ الأعمال وجذب القطاع الخاص.
كما يتوقف التحليل عند قطاع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تشير مشاريع مثل “نور” و”أمان” إلى دخول موريتانيا مرحلة جديدة من التموقع الاستراتيجي في سوق الطاقة النظيفة، حتى قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج الصناعي الكامل، عبر خلق طلب متزايد على البنية التحتية والخدمات الهندسية والتحلية.
ويخلص تقرير “ماركوبوليس” إلى أن التحدي الأساسي أمام موريتانيا في عام 2026 لم يعد مرتبطاً بالاستقرار الاقتصادي أو القدرة على الصمود المالي، بل بمدى نجاحها في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى اقتصاد متنوع قائم على القيمة المضافة، قادر على خلق فرص عمل وتعزيز النمو طويل الأمد خارج دائرة تقلبات أسواق المواد الأولية.