تخطَّ إلى المحتوى

حين تتخفّى السياسة في عباءة العقيدة: قراءة نقدية في جذور الخلافات بين الفرق الإسلامية

Lother King
4 دقائق قراءة508

هناك لحظات في مسار الفكر لا يكون فيها الصمتُ ترفّعًا، بل تواطؤًا غير مُعلن مع الوهم. ومن هذا الباب، جاءت هذه المحاولة لا لتضيف رأيًا إلى ركام الآراء، بل لتعيد مساءلة واحدة من أكثر المسلّمات رسوخًا في الوعي الإسلامي: أن الخلافات بين الفرق إنما هي خلافات عقدية خالصة. تلك الفكرة التي استقرّت في الذهن الجمعي حتى غدت أقرب إلى البديهة، مع أنها – عند التفكيك – تبدو أقرب إلى سردية تاريخية صاغتها السلطة، ثم ورثتها الأجيال بوصفها حقيقة نهائية.

إن أول ما يلفت النظر، عند قراءة التاريخ الإسلامي قراءة نقدية، هو أن لحظة الانقسام الأولى لم تكن لاهوتية بقدر ما كانت سياسية بامتياز. لم يكن السؤال: ما طبيعة الإيمان؟ بل: من يتولى الحكم؟ ولم يكن النزاع حول صفات الله، بل حول صفات الحاكم. ومن هنا، فإن كل ما تلا ذلك من تشكّلات فكرية يمكن قراءته – إلى حد بعيد – بوصفه تبريرًا لاحقًا لصراعات سابقة.

لقد أدرك هذه الحقيقة مبكرًا مفكرون كبار من داخل الحضارة الإسلامية وخارجها.

 فابن خلدون، في تحليله العميق للعمران البشري، لم ينظر إلى الصراعات التي اتخذت طابعًا دينيًا إلا بوصفها امتدادًا للعصبية والسعي إلى الملك، حيث تتحوّل الدعوة الدينية إلى أداة تعبئة تمنح الصراع السياسي شرعية رمزية. وهو ما يتقاطع مع ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني كارل شميت، الذي رأى أن المفاهيم السياسية الحديثة ليست سوى “علمنة” لمفاهيم لاهوتية سابقة، أي أن العلاقة بين الدين والسياسة علاقة تبادل مستمر، لا انفصال.

وفي السياق الإسلامي الحديث، يذهب علي الوردي إلى أن ما نسمّيه “خلافًا مذهبيًا” ليس في كثير من الأحيان سوى انعكاس لصراع اجتماعي وسياسي، حيث تُستَخدم اللغة الدينية لتغطية المصالح الدنيوية. أما محمد عابد الجابري، فقد كشف عن البنية العميقة للعقل السياسي العربي، مبينًا كيف تشكّلت كثير من الاتجاهات الكلامية تحت ضغط السلطة، لا في فضاء الحرية الفكرية الخالصة.

وإذا انتقلنا إلى تحليل الفرق الإسلامية الكبرى، نجد أن نشأتها لا تنفصل عن سياقات سياسية محددة. فالخوارج، مثلًا، لم يظهروا كمدرسة لاهوتية بقدر ما كانوا حركة احتجاج سياسي على ما اعتبروه انحرافًا في مسار الحكم. والتشيّع، في أحد أبعاده الأساسية، كان تعبيرًا عن موقف سياسي من مسألة الشرعية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى منظومة عقدية متكاملة. أما الجدل بين المعتزلة والأشاعرة، فقد بلغ ذروته في ظل رعاية السلطة أو قمعها، كما حدث في “المحنة”، حيث فُرض رأي معين بقوة الدولة، لا بقوة البرهان.

وهنا تبرز إشكالية عميقة: حين تتدخّل السلطة في إنتاج المعرفة الدينية، فإنها لا تكتفي بتوجيهها، بل تعيد تشكيلها من الداخل. وهو ما أشار إليه عدد من المفكرين المسيحيين أيضًا، مثل ميشيل فوكو، الذي بيّن كيف تتداخل السلطة والمعرفة، بحيث تصبح “الحقيقة” نفسها نتاجًا لعلاقات القوة، لا مجرد انعكاس موضوعي للواقع. وإذا أسقطنا هذا التحليل على التاريخ الإسلامي، أمكننا أن نفهم كيف تحوّلت بعض الآراء الكلامية إلى “حقائق مطلقة” لأنها كانت مدعومة من السلطة، لا لأنها انتصرت في حوار حر.

ولا يختلف الأمر كثيرًا عند النظر إلى التجربة الغربية.

 فالصراعات المذهبية في أوروبا، بين الكاثوليك والبروتستانت، لم تكن في جوهرها صراعات لاهوتية بحتة، بل كانت – كما بيّن ماكس فيبر – مرتبطة بتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، حيث لعبت الأخلاق البروتستانتية دورًا في نشوء الرأسمالية. وقد انتهت تلك الصراعات إلى ما يشبه “العقد الاجتماعي” الذي فصل – نسبيًا – بين الدين والسياسة، ليس لأن الخلافات العقدية حُلّت، بل لأن كلفتها السياسية أصبحت باهظة.

إن انتقال بعض هذه التجارب الفكرية إلى العالم الإسلامي لم يكن مجرد استيراد سطحي، بل كان – في بعض الحالات – محاولة لإعادة قراءة التراث في ضوء أسئلة جديدة. غير أن الإشكال يكمن في أن هذه القراءات غالبًا ما وُوجهت بمقاومة شديدة، لأنها تهدد البنية التقليدية التي قامت على تداخل الدين والسياسة.

وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة، فإن القول بأن كل الخلافات بين الفرق الإسلامية هي خلافات سياسية لا يعني اختزال الدين في السياسة، بل يعني الكشف عن الطبقة التي غالبًا ما تُخفى خلف الخطاب الديني. فالدين، في ذاته، نصّ مفتوح على التأويل، لكن هذا التأويل لا يتم في فراغ، بل في سياق اجتماعي وسياسي يوجّهه ويحدّد مساراته.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في هذا التراث، لا بهدف هدمه، بل بهدف تحريره من القراءة الأحادية التي حوّلته إلى ساحة صراع دائم. فحين ندرك أن كثيرًا من الخلافات التي نظنها “دينية” كانت في أصلها “سياسية”، يصبح بالإمكان إعادة فتح باب الحوار، لأن السياسة تقبل التفاوض، بخلاف ما يُعتقد أنه عقيدة ثابتة.

وفي النهاية، لعلّ أخطر ما في هذه الخلافات ليس أنها فرّقت بين الناس، بل أنها أقنعتهم بأن هذا التفرّق قدرٌ ديني لا فكاك منه. وهنا تكمن المهمة الفكرية الحقيقية: أن نعيد التمييز بين ما هو إلهي ثابت، وما هو بشري متغيّر؛ بين النص الذي يُلهم، والتأويل الذي قد يُضلّ؛ بين الدين كقيمة روحية، والسياسة كصراع على السلطة. عندها فقط، يمكن أن يتحول التاريخ من عبءٍ على الحاضر إلى درسٍ يُنير المستقبل.

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً