تخطَّ إلى المحتوى

في حضرة الشيخ محنض بابَ …/عز الدين بن ڭراي بن أحمد يورَ

Lother King
6 دقائق قراءة1٬020

في صيف عام ألفين واثنَين وعشرين، اقترح علي الأخ ديدي بن محمذن بابَ أن نقوم بزيارةِ العلامة الصالح: محنض بابَ بن امَّين حفظه الله ورعاه …

لم أتردد لحظةً في الموافقة على مقترح مِن هذا القبيل، حيث إني كنت دائما بالأشواق لزيارة الشيخ، عسى أن ينالني شيء من بركة وعِلم ودعاء هذا العلَم ذي الأحوال الطاهرة والكرامات الظاهرة …

تحركنا بعد صلاة العصر مِن قرية “ابير التورس”، وجعلنا وجهتنا حاضرة “ادوشليَه” حيث يقيم الشيخ مُحاطاً بمن لزموه من تلاميذ ومريدين …

لما وصلنا، أوقفنا السيارة بمحاذاة الجانب الجنوبي الغربي من السياج الذي يوجد فيه منزل الشيخ وما تعلق به …

في الحقيقة، ساورني شك في إمكانية لقاء الشيخ ذلك اليوم، حيث كانت الشمس قد اصفرَّت ومالت للغروب، كما قد رأيت شمال السياج عدة سيارات ظننتها لزوار سبقونا لملاقاة الشيخ، وشاهدت جمعاً من الناس نِساءً ورِجالاً على مرتفع نسبياً في الجانب الغربي من المكان …

فطِن رفيقي أن الجمعَ في حلقة تدريس حول الشيخ، وقد تأكدت من ذلك بالاقتراب أكثر، حيث أشار إلينا أحدهم بالجلوس في مكان معين وسألنا عن جهة القدوم وعن أسمائنا وهل هذه أول زيارة، أجبناه على الأسئلة مع تحديد أن زميلِي جاء من قبلُ مرتين وأني أزور للمرة الأولى …

لما حان دوري في مقابلة الشيخ، وقعتُ فيما وقع فيه الكثير ممن يزورونه، فقد استسلمت للشيخ وهو يطرح علي أسئلةً كان الجواب على أغلبها لازمَ فائدة بالنسبة له، وفاتت عليَ فرصة سؤاله عن أشياء كثيرةٍ أستشكِلُها، هو أجدر وأدرى من يكون بالجواب عليها …

على كل حال، هذا بعض ما علق بالذاكرة من ذلك المجلس العطر، بدون ترتيب ومن غير استقصاء …

لما صافحت الشيخ وأمسك بيدي، قلت له إنا جئنا زائرَين وكلنا حسن ظن وأننا نحمد الله على ذلك، قال لي: أتحسنون الظن؟ فأجبته: نعم، هو كذلك …

بدأ الحديث بسؤالي عن علاقات نسبية دقيقة تجمعه وإياي، كما سألني عن أشخاص مُعينين مِن الوسط المباشر، وعن جوانب تتعلق بالعمل ومحل الإقامة، في إشارة إلى اطلاعه وبشكل دقيق على ما قد يَظن غيري أنه يخفى عليه …

سألني عما درست؟ فقلت إني أسمع أحياناً أشياء، ربما بقي في الذاكرة منها شيء، علَّق الشيخ -من حسنه ظنه- بقول ما معناه أن ذلك ربما كان مفيداً …

سألني عن مدفن “المدروم”: أين يوجد ومن فيه من أفراد الأسرة؟ فأجبت أنه يقع على الطريق الرابط بين المذرذرة وتكند على نحو عشر كلمترات من “ابير التورس” على جهة الغرب، وأن فيه من أفراد الأسرة جمعاً تذكرت منه: محمدن بن عبد الله بن محمذن وسيدي بن التاه وامحمد بن امَّيَي وأحمد سالم بن سيدي بابَ …

سألني عن مدفن “الميمون: هل فيه كل أبناء محمذن بن أحمد بن العاقل؟ فكان جوابي أن التفصيل في ذلك هو تماماً ما أورده الشيخ نفسه في نظمه الجميل للمدافن، وهو أنهم كلهم في “الميمون” إلا أحمد يورَ فهو دفين “لمسيحَه” مِن أرض إينشيري، يقول محنض بابَ في النظم المذكور :

مدفن (لِمسيحَ) مِن الشهير
وهي أي لمسيحَ في إنشيري

وإن بها مررت فلتزورا
بلالاً الولِي واحمد يورا

سألني عن امحمد بن أحمد يورَ : هل هو أشعر بالفصحى أم بالحسانية؟ قلت إني سمعتهم يقولون إنه مِن بين شعراء يُجيدون بالفصحى إجادَتهم بالحسانية …

سألني عن ديوان امحمد وعن الجهود المبذولة في جمعه وهل يحتوي على كل القصائد، فأجبته باستطراد المراحل التي مر بها جمعه، بدءًا بالديوان الذي أعده، نهايةَ الخمسينات، العلامة أحمدو بن احْبَيِّبْ، مرورا بديوان الإداري الصحفي : محمدن “بَدِّنا” بن سيدي بن أحمدناه ورسالة الأستاذ المرحوم امَّد بن سيدي محمد، وصولاً لما قام به مؤخراً بعض أفراد أسرة الشاعر مِن جمعٍ وتحقيق، كما أشرت إلى ما هو معروف مِن أن الديوان، في أغلبه، مقطعات قصيرة إلا ما كان مِن نصوص قليلة أطولُها مديحية معروفة وصلت لسبعة عشر بيتاً، استنشدني الشيخ القصيدة فأنشدتها، وهي التي أولها :

البدر عنكَ تولّى آفِلاً أفلا
تذرى الدموع على البدر الذي أفلا

قالوا: نرى الظبي يحكيه، فقلت لهم
لا الظبي يحكيه لا ساقا ولا كفَلا

قالوا: تغَفّله تغنم من محاسنه
فلست تغنم شيئا دون ما غفلا

كما أشرت في جوابي إلى أن الجمع الذي قِيم به مؤخراً يحتوي على نصوص لم تكن في الجموع الأولى مثل مرثيته للعلامة المختار بن ألما. استنشدني الشيخ المرثية فأنشدتها، وقد أحسست منه اهتماماً خاصاً بسماعها، وربما قام بإرصادها في أبيات محددة :

يا دهـرُ صُلتَ بأنيابٍ وأضراسِ
حتَّى أصَبْتَ الأَشَـمَّ الرَّاسِخَ الرَّاسِـي

حتى أصَبْتَ فَتَـانَا الحِـبْرَ مُفْتِيَنَا
حـتى أصبتَ الهُمَامَ اللَّــيِّنَ القاسِي

دعوا العيونَ علي المختارِ باكـيةً
ما في البُكاءِ علَى المُختارِ مِنْ بَاسِ

المُطْعِمُ الكَأْسَ مِنْ أخْلاقِهِ أدَباً
لِمَنْ أَلَمَّ بِهِ وَالمُطْعِمُ الكَاسِي

والذاكر الله بينَ الناسِ غافلةً
وليس ذو الذكـر بين الناس كالناسِي

له مدارسُ عِلْمٍ غـيرُ دارِسَةٍ
كانت مجالِسَ تَحْوِي خَيْرَ جُلَّاسِ

يا رَبِّ فَارْحَمْهُ رُحْمَى مِنْكَ مُفْضِيَـةً
إلى سُرُورِ وإنْعَامِ وإينَاسِ

سألني بنبرة تأكيد قائلاً: شماد بن أحمد يورَ شاعرٌ بالحسانية؟ فأجبتُ: وهو كذلك بالفصحى! عندها قال لي: أشاعرٌ هو بالفصحى؟ فأجبت: نعم، عندها قالي لي: وما ذا تُنشد مِن شعره الفصيح؟ فاخترت إنشادَ البيتين اللذين يقول فيهما:

إن ربعَ المصيفِ فوقَ “المَصيرِ”
زادني اليوم عبرةً بالمصيرِ

مُذ بدا لي وما به من أنيسٍ
إن في ذا لعبرةً للبصير

لما أنشدتهما، سألني عن معنى “المصير” في الشطر الأول، فأجبت أنه تعريب مكان بعينه اسمُه “المِصران”، ولما سألني عن أين يوجد هذا المكان، أسعفني زميلي بالجواب على السؤال وتحديد موقع المكان، كما أسعفني زميلي بإيضاح سؤال لم أتبلغ منه، يتعلق بقانون الإطار الخاص بما وراء البحار عام 1958م المعروف محلياً ب”زَرْكْ وَيْ ونونْ” …

لما اتضح لي هذا السؤال، أدركتُ أن الشيخ -في معرض هذا الجانب من الحديث- يُشير إلى طلعة قالها “شماد”ْ بتلك المناسبة، تعبيراً عن موقفه المُناصر للاستقلال التام الرافضِ للحكم الذاتي والبقاء ضمن المجموعة الفرنسية :

ذَ الزَّرگ اِلِي خبرو مَشدودْ
فيه الي واسِي حَدْ ابْرُودْ

يِگدِرْ يِسْكِتْ فِمُّو وِعُودْ
فَخلاگو مَكنونْ المكنونْ

أويگدِرْ يتوكَّل بالمَعبُودْ
أويزرگ ورگه خظرَ مِن نُونْ

هُوَ راهُو عِمْرُو محدودْ
فاتْ اگبَيلْ أورزقو مَضمُونْ

خشيةَ الإطالة وقد اقترب وقت صلاة المغرب، التمسنا الدعاء من الشيخ، فأجاب: دعاء ظاهر أم عن ظهر غيب؟ فأجابَ رفيقي بما معناه أن الأمر في ذلك موكول للشيخ …

في ختام المجلس، أعرب الشيخ لنا عن ترحيبه وأتحفَنا فأحسَن جوائزَنا، ورجعنا سالمين غانمين ولله الحمد، وحالنا ينشد قول ابنِ هانئ الأندلسي :

كانت مُحادثة الرُّكبانِ تُخبرُنَا
عن جعفر بن فلاحٍ أطيَبَ الخبرِ

حتّى التقينا فلا واللهِ ما سمعتْ
أذني بأحسن مما قد رأى بصَري

كان من يُمن زيارة الشيخ أني التقيت في مجلسه بإخوة طال بهم العهد، هم: القريب الصحفي الشهير والمثقف الكبير: محمذن بابَ بن أشفغَ، والأخوان الكريمان اللبيبان: الطلبَه بن أحمد لِلْمختار وابَّاهْ بن الخليفة بن الحسن …

أدام الله الشيخَ محنض بابَ ومَن هم على نهجه مِن العلماء العاملين ذُخراً للإسلام والمسلمين،،،

عز الدين بن ڭراي بن أحمد يورَ

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً