تخطَّ إلى المحتوى

بداية العهد بالشعر العربي …عز الدين بن ڭراي ين أحمد يورَ

Lother King
5 دقائق قراءة483

ذهبت بي الذكريات ذاتَ يومٍ إلى منتصف ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم، فاسترجعت مقطوعاتٍ كانت بداية عهدي بالشعر العربي الفصيح أيام التمييز والإعراب. وكانت في أغلبها نصوصا من شعر جدنا لمرابط امحمد بن أحمد يورَ رحمه الله تعالى، تُكتَبُ لي صباحاً ويُطلب مني حفظها نهاراً، وأُمْتحَنُ بإعرابِها ليلاً، على أن يُكتب لي إعرابها الصحيح فوق الكلمات قبل المرور إلى نص جديد في اليوم الموالي …

فمِن أول ما تذكرت من ذلك بيتين للمرابط امحمد اعتاد الوالد رحمة الله عليه أن يكونا أول ما يكتبه لصبيان الحي :

لا تنسَ رَبَّك في رِيٍ ولا ظمإِ

ولا بِحَضرة ضِرغام ولا رشإِ

واذكرهُ منفرداً يذكرْك مُنفرداً

واذكُرهُ في ملإٍ يذكرْك في مَلإِ

يُروى أن الشخصية والسياسي السنغالي “لامينْ غايْ” (Lamine Guèye) – الذي ينحدر من مدينة “اِنْدَرْ” – أتى به والده في صباه إلى لمرابط امحمدْ مُلتمسا له الدُّعاء، فما كان من لمرابط امحمد إلا أن أمر الطفل النجيب بحفظ هذين البيتين … كان من شأن “لامِينْ غايْ” بعد ذلك أن أصبح عمدة لمدينة داكار ثم رئيسا للجمعية الوطنية السينغالية طيلة السنوات الثمان الأولى التي تلت استقلال بلده …

ثم تذكرت أبياتَه الابتهالية الشهيرة التي أصبح إنشادها لدى كثير من أهل منطقة الشاعر أحد عناصر زيارة الروضة الشريفة بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام :

ألا يا رسول الله يا أشرف الورى

و يا من هو النور المنير المنوَّرُ

عليك صلاة الله مُسْياً و بُكْرَةً

وأزكى سلامٍ فيه مِسْكٌ وَعَنْبَرُ 

مَرامي رِزقٌ واسعٌ يَتيسَّرُ

وَنصرٌ وَرِضوانٌ مِنَ الله أكبرُ

تُجنبُنِي الآفاتُ مادمتُ سالماً

وأنجو من الرَّوعاتِ ساعةَ أُقْبَرُ

وتذكرت قوله في بحر المديد :

يا رسولَ اللهِ يا مَدَدِي

يا شفيعَ الخلقِ خُذْ بيَدِي

إنَُ من حَلَّ بِساحتكمْ

حلَّ بالعلياءِ فالسَّنَدِ

وقوله

ذكرنا سيدَ الكونين طه

وفاطمة الشريفة والحُسَيْنا

فزال من المخاوف ما أتانا 

وزاحَ من الجرائم ما أتيْنا

فظِلُّ العرش ممدودٌ علينا

وعينُ اللهِ ناظرةٌ إليْنا

واسترجعت قوله :

بُكاءُ حَماماتٍ تَغَنَّينَ بالأمْسِ

يَرُدُّ قلوبَ المُرْعَوِينَ إلى “الدِّكْسِ”

بَكَيْنَ لأيامٍ بكيتُ لِمثلها

فأصبحن من جنسي وما هُنَّ مِن جِنسي

يُذَكِّرْنَنِي عهداً قديماً ومَعْهداً

أحبَّ إلى نفسي لياليهِ من نفسِي

وقولَه :

على النهرِ من ثوبان نفسي حـنّتِ

وحنت لأيام كأيام حـنّـةِ

جذبتُ عِنانَ الشوق لو كان نافعاً

-إذا عنت الأشواقُ- جذبُ الأعنةِ

لقد خِلتموني جئتُ بِدعاً وإنني

على سُنَّةٍ للعاشقين مُسِنَّةِ

وقولَه :

مِنَ العار أن يبقى بعينيك مَدمعُ

وقد لاح مِن بينِ المنارَين مربــعُ

وخُبِّرتَ أن الرَّمْل أقْوْتَ رُبوعُــــه

وأن أضــاةَ الثور بيداءُ بَلْقــــعُ

ولم تصْغُرُ الآذانُ إلا لِسَمْعِــــها

لِما لم تكُن مِن قبل ذلِكَ تسْمعُ

وتذكرت بيتين في بحر السرع يُروَى أن امحمد كان يقول إن الجِنَّ ترقص عليهما طربا :

يا هندُ ذاتَ الضأنِ والماعزِ

لا تجعلي القادرَ كالعاجزِ

لا تقتلي شيخاً أتى تائباً

فليسَ قتلُ الشيخِ بالجائزِ

وتذكرت قوله يصف ظاهرة جوية :

الشمسُ مُخضرَّةٌ في زيِّ مِرآةِ

والجوُّ فيهِ احمرارٌ قطُّ لم ياتِ

إنْ لم يكُن من علاماتِ القيامةِ ذا

فإنهُ من علاماتِ العلاماتِ …

وتذكرت قول جميل بثينة في أبيات طربت لها أكثر بعد ذلك بسنوات عندما سمعتها بالغناء الشجي للفنان السعودي اليمني الراحل/أبوبكر سالم بلفقيه :

إنّ المنازلَ هيّجتْ أطرابي

واستعْجَمَتْ آياتها بجوابي

قفراً تلوح بذي اللُّجَينِ، كأنّها

أنضاءُ رسمٍ أو سطورُ كتابِ

لمّا وقفتُ بها القَلوصَ، تبادرتْ

مِنِّي الدموعُ، لفرقة ِ الأحبابِ

وذكرتُ عصراً يا بثينةُ شاقني

وذكرتُ أيّامي وشرخَ شبابي

ومرَّت بي الذكريات أيضاً على مقطع من أبيات كثير عزة الشهيرة :

خليليَّ هذا ربعُ عُزَّة َ فاعْقلا

قلوصَيكُما ثمّ ابكيا حيثُ حلَّتِ

ومَسّا تراباً كَانَ قَدْ مَسَّ جِلدها

وبِيتا وَظَلاَّ حَيْثُ باتتْ وظلّتِ

ولا تيأسا أنْ يَمْحُوَ الله عنكُما

ذنوباً إذا صَلَّيْتما حَيْثُ صَلّتِ

وما كنتُ أدري قبلَ عَزَّة َ ما البُكا

ولا مُوجِعَاتِ القَلبِ حتَّى تَوَلَّتِ

كما مرت بي على أبيات جميلة ل”ابنو المقداد” بن عبد الله الشيخ الأندري والد الأعلام محمدن “دودُو سَكْ” وسليمان وعينينَ وعبد الله :

دارٌ لأرمُودَ دارُ اللهو واللعب

بِيعَت دراهمنا فيها على طربِ

بِيعت بما نشتهي من كُلِّ فاكهةٍ

باللوز بيعت وبالرمان والعنب

دارٌ بها ضيع الأقوامُ فِضتَنا

بَيضاءَ خالصةً معرُوفةَ النسبِ

ثم تذكرت بيتين للشاعر أحمد بن عبد الله بن محمذن بن أحمد بن العاقل في مدح أحد أعلام السنغال فيما يظهر :

حلفتُ بِربِّ الراقصاتِ إلى مِنًي

وربي بما تُخفي النفوسُ عليمُ

لَدارٌ بها عبدُ الكريم كريمةٌ

وبيتٌ به عبدُ الكريم كريمُ

وأخيرا استحضرتُ أطول نصَّين امتُحِنتُ بحفظهما آنذاك، إنهما مقطعين من قصيدة قالها الوالد رحمة الله عليه في شأن حكم التلفزة، كان ذلك في عام 1986 ، لقد كُتِبَت لي القصيدة على دفعتين كانت أولاهما :

يا سادتي العلما ما حكم نازلةٍ

عَمتْ ولم تَعْنِ إلا السادة العُلَما

أعني الذين يخافون الحساب غداً

ولا يهابون قانوناً ولا نُظُما

لا يُدخلون حَراماً في حلالهمُ

بل يتركون من الأحداث ما انبهما

إذا رأوْا سُنةً للمُصطفَى انْهدَمَتْ

شادوا من السنّة الغرّاء ما انهدما

فهؤلاءِ همُ العانِي فحيّهمُ

عَنِّي جميعاً وقل يا سادتي الكُرَما

ما حُكمُ رُؤيَتِنا شاشاتِ تَلْفَزَةٍ ؟

وصاحبُ العِلمِ مَلعونٌ إذا كتَما

هلْ هيَ جائزةٌ قطْعاً فننظُرُها

أمْ لا فنحمِي مِنَ الشَّاشاتِ كُلَّ حِمَى ؟

فَرُبَّما اغتَصَبَتْ أوقاتَ قُربتِنا

حتَّى تفُوتَ على الرَّائي وما علِما

تُرِيهِ حسناءَ أو شوهاءَ عاريَةً

إمَّا مِنَ الشَّعْبِ أو سوداءَ أو “مَضَمَا”

كأنها سِينَما في البَيتِ جاهِزةٌ

فما يزالُ عليها الشَّعبُ مُزدَحِما

تخشى بصائرنا مِنْ عرضها عَمَهاً

كما يُخافُ على الأبصارِ منهُ عَمَى

(إحدى بَلِيٍّ وما هَامَ الفؤادُ بها

إلا السَّفاهَ وإلا ذِكْرَةً حُلُما)

إنها ذكريات جميلة !

وبشأن قصيدة التلفزة هذه، تجدر الإشارة إلى أنها كانت محل تفاعلٍ شِعريٍ ونثريٍ مِن عدد مِن علماء وشيوخ البلاد مِن أمثال بداه بن البوصيري والتاه بن يحظيه بن عبد الودود وحمدن بن التاه ومحنض بابَ بن اِمَّينْ ومحمذن فال بن محمد سالم بن ألما ومحمد الحسن بن أحمدو الخديم ونافع بن حبيب بن الزايد وأحمدو بن عبد الرحمن بن فتًَى ومحمد عبد الله بن أحمدو بن أحمذيَّ ومحمد الحسن بن المُنجا … وقد تحصل من هذا التفاعل الشعري عدة نصوص لها قيمتها الأدبية إلى جانب فائدتها العلمية بحيث استحقت أن تُفرَد بحديث خاص …

طاب يومكم ،،،

عز الدين بن ڭراي ين أحمد يورَ

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً