تواجه شركة «أورا إنرجي» الأسترالية تحديات مالية وفنية وأمنية قبل اتخاذ القرار الاستثماري النهائي بشأن مشروع تيريس لليورانيوم في شمال موريتانيا، في وقت ارتفعت فيه كلفة التطوير المقدرة إلى نحو 350 مليون دولار، وبات المشروع بحاجة إلى تأمين تمويل يقارب 400 مليون دولار، وسط مساعٍ لاستكمال الترتيبات اللازمة للانتقال إلى مرحلة الإنشاء.
وتكشف تقارير نشرتها وسائل إعلام دولية متخصصة في التعدين والطاقة النووية خلال أكتوبر الجاري أن المشروع يقترب من مرحلة حاسمة، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التمويل النهائي أو بدء تشييد المنجم، رغم التقديرات الاقتصادية التي تشير إلى إمكانية تحقيق عائدات مجزية على مدى عمره التشغيلي.
ارتفاع كلفة التطوير بأكثر من النصف
نشرت صحيفة «ذا نورثرن ماينر» الكندية المتخصصة في قطاع التعدين، في 20 أكتوبر، تقريرًا تناول التقدم المحرز في مشروع تيريس والتحديات التي تعترض تطويره، مشيرة إلى أن كلفة إنشاء المشروع ارتفعت إلى نحو 350 مليون دولار، بزيادة تبلغ 52% مقارنة بالتقديرات السابقة.
ويعكس هذا الارتفاع حجم التعديلات التي طرأت على التصاميم الهندسية ومتطلبات معالجة الخام والتجهيزات اللازمة للتشغيل، كما يزيد من حجم التمويل الذي يتعين على الشركة توفيره قبل اتخاذ القرار الاستثماري النهائي.
وتقدر دراسة الجدوى المصرفية الجديدة القيمة الحالية الصافية للمشروع بعد الضرائب بنحو 500.3 مليون دولار، بافتراض سعر لليورانيوم يبلغ 90 دولارًا للرطل، ومعدل عائد داخلي يبلغ 28%.
غير أن هذه الأرقام تمثل تقديرات اقتصادية مستقبلية مبنية على افتراضات تتعلق بالأسعار والتكاليف والإنتاج، ولا تعني أن الشركة حققت هذه العائدات أو أن الأموال اللازمة لتطوير المنجم أصبحت متاحة.
وتضع هذه المعطيات المشروع أمام معادلة تتعلق بقدرته على الحفاظ على جدواه الاقتصادية في ظل ارتفاع تكاليف الإنشاء، وتأمين التمويل بشروط تسمح بالانتقال إلى الإنتاج التجاري دون زيادة إضافية في الأعباء المالية.
التمويل العقبة الرئيسية أمام القرار الاستثماري
يمثل تأمين التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروع، إذ تحتاج «أورا إنرجي» إلى توفير نحو 400 مليون دولار لتطويره، وفق المعلومات التي أوردتها صحيفة «ذا نورثرن ماينر» استنادًا إلى بيانات الشركة.
وتجري الشركة محادثات مع مؤسسة التمويل التنموي الدولية الأمريكية بشأن قرض يتراوح بين 150 و170 مليون دولار، كما تحدثت عن عرض تمويلي متكامل غير ملزم من صندوق استثمار أمريكي لم تكشف عن اسمه.
وتشمل مساعي التمويل أيضًا مذكرة تفاهم غير ملزمة مع شركة دولية كبرى تعمل في قطاع الطاقة النووية، في إطار البحث عن شريك قادر على دعم المشروع ماليًا وربما المساهمة في تسويق إنتاجه مستقبلًا.
لكن هذه الترتيبات لا تعني أن التمويل أصبح مضمونًا، إذ لا يزال هيكل التمويل النهائي غير محسوم، ولم تتحول المحادثات المعلنة إلى التزامات نهائية تغطي كامل الاحتياجات المالية للمشروع.
ووفق تقرير نشره موقع «وورلد نيوكلير نيوز» في 20 أكتوبر، تستهدف الشركة اتخاذ القرار الاستثماري النهائي قبل نهاية عام 2026، بالتزامن مع مواصلة التفاوض بشأن مصادر التمويل واختيار الهيكل المالي المناسب.
ويعني ذلك أن المشروع لا يزال مرتبطًا بقدرة الشركة على الجمع بين القروض والاستثمارات ومصادر التمويل الأخرى، وهي عملية قد تتأثر بشروط المقرضين وتقييمهم للمخاطر الفنية والتشغيلية والأمنية.
كما أن اللجوء إلى إصدار أسهم جديدة لتغطية جزء من النفقات قد يؤدي إلى تخفيف حصص المساهمين الحاليين، ما يجعل اختيار مزيج التمويل مسألة مؤثرة في مستقبل الشركة والمشروع معًا.
الأمن في تيرس الزمور يدخل ضمن حسابات المستثمرين
لا تقتصر التحديات على الجوانب المالية والفنية، إذ تناول تقرير «ذا نورثرن ماينر» الظروف الأمنية في منطقة تيرس الزمور، حيث يقع المشروع على بعد نحو 1100 كيلومتر شمال شرقي نواكشوط.
ونقلت الصحيفة عن شون هاغارتي، محلل المخاطر الأمنية ومؤسس شركة «ريجون أليرت»، قوله إن الجيش الموريتاني يتولى إدارة الأمن في المنطقة، وإنه أزال المنقبين التقليديين عن الذهب من شريط يمتد عشرة كيلومترات على طول الحدود الجزائرية.
وأضاف هاغارتي أن الخطة الأمنية للمشروع ستحتاج إلى التنسيق مع الجيش، مشيرًا إلى أن المجتمعات المحلية ستقيّم المشروع أيضًا على أساس مخاوف تتعلق بالمياه والإشعاع.
وتبرز هذه التصريحات أهمية الترتيبات الأمنية في منطقة حدودية بعيدة عن العاصمة ومراكز الخدمات الرئيسية، حيث يتطلب تطوير منشأة تعدين صناعية توفير الحماية للعاملين والمعدات وطرق الإمداد، إلى جانب تنظيم حركة الأفراد والأنشطة المحيطة بالموقع.
لكن المعلومات المنشورة لا تثبت وقوع هجوم على المشروع أو وجود تهديد مباشر له، وإنما تشير إلى اعتبارات أمنية ينبغي إدراجها ضمن خطط التطوير والتشغيل.
ويضيف وجود اليورانيوم بُعدًا بيئيًا وصحيًا إلى هذه التحديات، إذ يتطلب المشروع إدارة مخاطر المياه والنفايات والتعرض للإشعاع، فضلًا عن توضيح التدابير المعتمدة لحماية السكان والعاملين والبيئة المحيطة.
وتكتسب هذه المسائل أهمية إضافية في ظل حاجة المشروع إلى استكمال ترتيبات التمويل، إذ تمثل المخاطر الأمنية والبيئية عناصر تدخل في تقييم المؤسسات المالية والمستثمرين قبل الالتزام بضخ أموال كبيرة في مشروع طويل الأجل.
محطة تجريبية قبل اتخاذ القرار الاستثماري
تخطط الشركة لتشغيل محطة تجريبية في منطقة بئر أم أكرين خلال نوفمبر وديسمبر، بهدف معالجة أكثر من 80 طنًا من خام اليورانيوم واختبار مراحل المعالجة بصورة متكاملة قبل اتخاذ القرار الاستثماري النهائي.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية فنية لأنها ستوفر بيانات تشغيلية من معالجة الخام الفعلي، بما يساعد على تقييم كفاءة العملية الصناعية وتقدير احتياجات التشغيل وتكاليفه بصورة أكثر دقة.
كما يمكن لنتائج الاختبارات أن تؤثر في قرارات المستثمرين والممولين المحتملين، خصوصًا أن الانتقال من الدراسات المخبرية إلى معالجة كميات فعلية يمثل خطوة مهمة في تقييم المخاطر الفنية للمشروع.
وبحسب بيانات الشركة، تستهدف الخطة بدء الإنتاج التجاري بنهاية عام 2028، بعد فترة إنشاء تقدر بنحو عامين، شريطة تأمين التمويل واستكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية اللازمة.
وتقدر دراسة الجدوى متوسط الإنتاج السنوي بنحو 1.8 مليون رطل من أكسيد اليورانيوم، بإجمالي إنتاج قابل للبيع يبلغ 46.1 مليون رطل على مدى عمر تشغيلي مقدر بنحو 26 عامًا.
وتظل هذه الأرقام توقعات مستقبلية مرتبطة بتنفيذ المشروع وفق الجدول الزمني والتصميم المعتمدين، ولا تعني أن الإنتاج التجاري قد بدأ أو أن موعده أصبح مضمونًا.
ماذا يمكن أن تجني موريتانيا من المشروع؟
تملك «أورا إنرجي» حصة تبلغ 85% في شركة «تيريس ريسورسز» صاحبة المشروع، بينما تعود نسبة 15% إلى الدولة الموريتانية من خلال الوكالة الوطنية للبحوث الجيولوجية والأملاك المعدنية، وفق المعلومات المنشورة عن هيكل ملكية المشروع.
ومن المتوقع أن تشمل المنافع الاقتصادية المحتملة حصة الدولة من الملكية، والإتاوات والضرائب، وفرص العمل والتكوين المهني، إلى جانب المساهمات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بنشاط المنجم.
لكن حجم العائد الفعلي الذي ستحصل عليه الخزينة الموريتانية سيعتمد على بدء الإنتاج، والتكاليف النهائية، والأسعار التي سيباع بها اليورانيوم، والشروط المالية والضريبية المطبقة.
ولا يمكن احتساب القيمة الحالية الصافية المقدرة للمشروع أو إجمالي قيمة إنتاجه المتوقع على مدى 26 عامًا بوصفهما إيرادات حكومية مباشرة، لأنهما يمثلان تقديرات اقتصادية للمشروع ككل، وليس مبالغ ستؤول بالكامل إلى الدولة.
كما أن الأثر الاقتصادي لن يتحدد بالإيرادات وحدها، بل بمدى قدرة المشروع على خلق وظائف محلية، وتطوير الخدمات والبنية التحتية في المنطقة، وإتاحة فرص للشركات الموريتانية للمشاركة في سلاسل التوريد والخدمات الصناعية.
مشروع واعد لم يدخل بعد مرحلة الحسم
يأتي مشروع تيريس في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بإمدادات اليورانيوم اللازمة للصناعة النووية، وسط مساعي دول وشركات إلى تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المنتجين.
غير أن وجود احتياطات قابلة للاستغلال لا يكفي وحده لضمان الانتقال إلى الإنتاج التجاري، إذ تتطلب المشاريع التعدينية الكبرى تمويلًا طويل الأجل، واستقرارًا تنظيميًا، وبنية تحتية مناسبة، وقدرة على إدارة المخاطر الأمنية والبيئية.
وبالنسبة إلى موريتانيا، يتمثل الاختبار المقبل في معرفة ما إذا كانت «أورا إنرجي» ستنجح في تأمين التمويل اللازم، وإثبات كفاءة المعالجة عبر المحطة التجريبية، وتسوية الجدول الزمني مع السلطات، قبل اتخاذ القرار الاستثماري المستهدف في ديسمبر 2026.
وإذا نجحت الشركة في تجاوز هذه المراحل، فقد يشكل المشروع بداية دخول موريتانيا إلى قطاع إنتاج اليورانيوم، مع ما يحمله ذلك من فرص اقتصادية وتحديات تنظيمية وبيئية وأمنية.
أما إذا تأخر التمويل أو كشفت الاختبارات عن تكاليف أعلى من المتوقع، فقد يحتاج الجدول الزمني إلى مراجعة جديدة، وهو ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل المشروع.
وتظل ثلاثة تطورات رئيسية جديرة بالمتابعة: الإعلان عن تمويل ملزم يغطي احتياجات الإنشاء، ونتائج المحطة التجريبية، وصدور توضيح رسمي بشأن الجدول الزمني ورخصة الاستغلال.
فهذه التطورات، أكثر من التقديرات الاقتصادية وحدها، هي التي ستحدد ما إذا كان مشروع تيريس سينتقل من مرحلة الدراسات والمفاوضات إلى بناء أول منجم تجاري لليورانيوم في موريتانيا، وما إذا كان موعد الإنتاج المستهدف بنهاية 2028 قابلًا للتحقق.