تخطَّ إلى المحتوى

قبل أن نغيّر الربّان…ماذا نعرف عن الموج؟/ سلطان البان

سلطان البان
5 دقائق قراءة85

البارحة تناولت، في بث مباشر على الصفحة، موضوع المأمورية الثالثة، خلال قراءة وتحليل للخيارات التي قد تجد موريتانيا نفسها أمامها عند نهاية المأمورية الحالية. لم يكن السؤال الذي حاولت طرحه متعلقًا بالأشخاص وحدهم، وإنما بالدولة: أيُّ الخيارات يحفظ تماسكها، ويقلل احتمالات الصدام داخلها، ويجنبها دفع أثمان التحولات العاصفة التي يعرفها محيطها؟

أعرف أن مجرد فتح هذا النقاش يثير حساسيات متعارضة؛ فهناك من يرى فيه تمهيدًا للتمديد، ومن يعتبر إغلاقه تجاهلًا لتعقيدات الواقع. لكن التفكير السياسي الجاد لا يبدأ بتخوين الأسئلة، ولا ينتهي بترديد الإجابات المريحة. يبدأ بوضع الفرضيات على الطاولة، وفحص مكاسبها ومخاطرها، مع التمييز بين ما نفضله سياسيًا، وما يسمح به القانون، وما نستطيع إثباته من وقائع.
وهنا ينبغي تثبيت حقيقة لا يجوز القفز عليها: الدستور الموريتاني يقصر تجديد انتخاب الرئيس على مرة واحدة، ويتضمن القسم الرئاسي التزامًا بعدم اتخاذ أو دعم مبادرة تمس أحكام مدة المأمورية وتجديدها. كما أن تحصين تحديد المأموريات يجعل المسألة أبعد من تعديل سياسي عادي. لذلك فإن الدفاع عن استمرار الرئيس؛ موقف يصطدم بإشكال دستوري أصيل لا يصح إخفاؤه وراء عبارة “المصلحة العامة”.
بعد هذا التوضيح، يمكن مناقشة السيناريوهات دون تهويل، ودون تحويل أيٍّ منها إلى قدر محتوم.

أولًا| وصول المعارضة:

قد يقود موريتانيا، مستقبلًا، رئيس من المعارضة. وهذا احتمال مشروع، لا ينبغي التعامل معه بوصفه تهديدًا في ذاته. لكن مشروعية الاحتمال لا تعفينا من فحص شروط نجاحه.
في تقديري، تظهر المخاطرة عندما يُفهم الانتقال باعتباره هزيمة اجتماعية لمعسكر وانتصارًا اجتماعيًا لمعسكر آخر؛ وعندما يتوقع أنصار الرئيس الجديد أن تتحول الانتخابات إلى إعادة توزيع شاملة للوظائف والنفوذ والموارد، بينما تخشى شبكات السلطة السابقة أن تتحول المحاسبة إلى اجتثاث.

انكسار العلاقة بين السلطة والجيش والمجتمع: ففي 2012 تحولت نقمة عسكرية على إدارة الحرب في الشمال المالي إلى انقلاب، ثم استغلت الجماعات المسلحة الفراغ لتوسيع سيطرتها. وفي 2020 اجتمعت إخفاقات أمنية واحتجاجات ومظالم اقتصادية وسياسية قبل إسقاط إبراهيم بوبكر كيتا. الدرس هنا هو خطورة تزامن أزمة الشرعية مع أزمة الأمن، لا خطورة التداول في ذاته. وفي المقابل، عرف السنغال انتقالًا سلميًا إلى المعارضة سنة 2000، عندما أقر عبدو جوف بهزيمته أمام عبد الله واد. وهذا مثال يمنعنا من تحويل التخوف إلى قاعدة: المعارضة ليست ضمانة للإنقاذ، لكنها ليست وصفة للفوضى أيضًا. الفيصل هو طريقة الانتقال والضمانات التي تحيط به.

ثانيًا| الاستخلاف؛ دعم شخصية من داخل المنظومة الحاكمة لخلافة الرئيس؛ وقد يُطرح، على سبيل المثال الافتراضي، رئيس الجمعية الوطنية محمد مگت أو أي وجه آخر من وجوه الأغلبية.
يبدو هذا الخيار مطمئنًا للوهلة الأولى: استمرار للأغلبية، ومعرفة بالإدارة، وتجنب لقطيعة مفاجئة. لكن مشكلته المحتملة تبدأ من السؤال الذي يؤجله الجميع: لمن سيكون القرار بعد انتقال الرئاسة؟
إذا احتفظ الرئيس السابق بمركز الثقل، فقد يشعر خلفه بأنه يتولى المسؤولية دون امتلاك السلطة كاملة. وإذا سعى الرئيس الجديد إلى الاستقلال، فقد يُقرأ تحركه بوصفه تنكرًا لمن أوصله. وعندئذ قد تبدأ إعادة تركيب الولاءات: تعيينات جديدة، وإبعاد شخصيات، وتقريب أخرى، ومحاولة تأسيس قاعدة سياسية واجتماعية خاصة .
في زامبيا، اختار فريدريك تشيلوبا ليفي مواناواسا لخلافته، لكن الخليفة دعم لاحقًا إجراءات رفْع الحصانة عن سلفه وملاحقته في قضايا فساد. لا يجوز اختزال ذلك تلقائيًا في تصفية حسابات؛ فقد تكون المحاسبة مستحقة. غير أن الواقعة تكشف أن اختيار الخلف لا يضمن استمرار التفاهم معه، وأن وحدة الحزب لا تمنع افتراق المصالح بعد انتقال الرئاسة.
الخطر، إذن، ليس في أن يملك الرئيس الجديد قاعدة سياسية؛ فهذا حق طبيعي. الخطر أن تصبح مؤسسات الدولة أدوات لبناء تلك القاعدة، وأن تُستنزف الإدارة في حرب بين نفوذ قديم ونفوذ صاعد، وهذا قد يقود إلى انقلاب عسكري، وهو احتمال أشد إثارة للقلق إذا امتد تنازع الشرعية والولاءات إلى أجهزة القوة.

ثالثًا: المستقل ؛ تبدو الشخصية المستقلة حلًا جذابًا: لا ترث خصومات المعارضة كاملة، ولا تتحمل أعباء المنظومة الحاكمة كلها. لكن الاستقلال وصف للموقع، وليس شهادة بالقدرة.
وأول امتحانات المستقل سيكون تعريف استقلاله: هل هو مستقل عن الأحزاب فقط، أم عن شبكات المال والمصالح أيضًا؟ ومن سيمول حملته؟ ومن سيمنحه أغلبية برلمانية؟ وبأي فريق سينفذ برنامجه؟
قد يدخل الرئاسة بقبول شعبي معتبر، ثم يكتشف أن كل قرار يحتاج إلى تفاوض مع قوى لم تنتخبه لتنفيذ مشروعه، بل تنتظر حصتها من سلطته. وقد يضطر، حتى يحكم، إلى إعادة استدعاء الوجوه التي تعهد بتجاوزها.
ومن منظور إدارة الحكم، أرى أمامه ثلاث عقد مترابطة: بناء ائتلاف دون الارتهان له، واستخدام الإدارة دون تسليمها لشبكات الوساطة، وإصلاح المصالح القائمة دون توحيدها ضده دفعة واحدة.
لهذا لا أستبعد المستقل، لكنني لا أرى في غياب ماضيه الحزبي برنامجًا للمستقبل. المرشح المستقل الجاد يحتاج، قبل الوصول، إلى فريق معروف، وأولويات قابلة للتمويل، واتفاق سياسي واضح؛ وإلا أصبح استقلاله عزلة، وأصبحت حسن نيته تعويضًا لفظيًا عن غياب أدوات الحكم.

رابعًا| استمرار الغزواني:

يبقى استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الخيار الذي يمكن الدفاع عنه، من زاوية المحافظة على توازنات قائمة وتجنب كلفة إعادة تركيب السلطة.
فالرجل ليس وافدًا على المؤسسة الأمنية؛ لقد تولى قيادة أركان القوات المسلحة، ويتمتع بخبرة عسكرية وسياسية تمنح أنصار الاستمرار حجة مفهومة، خصوصًا عند النظر إلى اضطراب الجوار المالي. وهذه ليست مزية شكلية: معرفة مؤسسات القوة وطريقة اشتغالها عنصر معتبر في تقدير أهلية القيادة، وإن لم تكن وحدها ضمانة لحسن الحكم.
وفي قراءتي المتواضعة، تستمد حجة الاستمرار قوتها من تقليل المجهول: لا يحتاج الرئيس القائم إلى اكتشاف الدولة من جديد، ولا إلى تأسيس علاقته بالمؤسسات من نقطة الصفر. وقد تكون هذه المعرفة مفيدة في قرارات تتعلق بحماية الحدود، وتوازن العلاقات الخارجية، وتوزيع الموارد بين المطالب الاجتماعية والاحتياجات الأمنية.

في تقديري العميق، الأفضل لموريتانيا هو جعل الاستقرار قابلًا للاستمرار بعد أي رئيس: انتقال لا يهدد الناس في حقوقهم بسبب ولاءاتهم، ومحاسبة لا تتنكر في هيئة انتقام، ومؤسسة عسكرية لا تصبح طرفًا في تنازع الورثة، ومعارضة تدرك أن الوصول إلى الحكم مسؤولية تتجاوز إسقاط خصم.
إذا كانت للرئيس ميزة ينبغي استثمارها في السنوات المتبقية، فهي قدرته على تقليل مخاطر ما بعده: تقريب المتخاصمين، وتقوية المؤسسات، وتوضيح قواعد المنافسة، وترك دولة لا تحتاج، عند كل استحقاق، إلى المفاضلة بين الدستور والخوف.
فنجاح رجل الدولة لا يُقاس فقط بقدرته على البقاء في موقعه، وإنما بقدرته على جعل بلده قادرًا على البقاء متماسكًا حين يغادره.

سلطان البان

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً