تخطَّ إلى المحتوى

ولد انداري: موريتانيا لم تنجح في بناء مواطنة تتقدم على الولاءات القبلية والجهوية

Elhoussein tourad
4 دقائق قراءة77

قال أحمد ولد انداري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة نواكشوط، إن المواطنة ليست مجرد حمل جنسية الدولة أو الإقامة داخل حدودها، وإنما رابطة تجمع المواطنين بالدولة على أساس انتماء مشترك، وتترتب عليها مجموعة من الحقوق والواجبات.

وأوضح ولد انداري، في مقابلة مع قناة TTV ضمن النشرة التحليلية مساء أمس الثلاثاء، أن المواطنة تقوم على الإحساس المشترك بالانتماء إلى دولة معينة، إلى جانب أداء الواجبات التي تترتب على هذا الانتماء، مثل الدفاع عن الحوزة الترابية والمساهمة في التنمية، مشيراً إلى أن المواطن قد يحمل في الوقت نفسه هويات فرعية متعددة، لكن يفترض أن تكون المواطنة هي الهوية الجامعة والأعلى التي توحد أفراد الدولة.

وأضاف أن الفرد لا يصبح مواطناً بالمعنى السياسي والمدني الكامل بمجرد حصوله على الجنسية، وإنما عندما يتمتع بحقوقه ويؤدي واجباته، موضحاً أن من بين الحقوق الأساسية المشاركة في الشأن العام، والحق في الانتخاب والترشح، وإمكانية تولي المسؤوليات العامة، وأن وجود قيود على هذه الحقوق أو عدم تمتع الفرد بها بصورة كاملة يجعل المواطنة نفسها غير مكتملة.

وفي حديثه عن تجربة موريتانيا منذ الاستقلال، قال ولد انداري إن الدولة لم تستطع بناء انتماء وطني مشترك يتقدم على الانتماءات القبلية والجهوية والفئوية، معتبراً أن فترة الحكم المدني بين عامي 1960 و1978 شهدت محاولة لبناء مواطنة مشتركة من خلال عدد من السياسات والقرارات.

وأشار إلى أن من بين تلك الإجراءات توحيد الضرائب بين المواطنين وتوحيد ما يتعلق بالخدمة العسكرية، في محاولة لإزالة أشكال التمييز التي كانت موجودة خلال الفترة الاستعمارية، حيث كانت الخدمة العسكرية إجبارية بالنسبة إلى بعض المواطنين واختيارية بالنسبة إلى آخرين، كما كانت هناك اختلافات في الضرائب وغيرها من المجالات.

وأضاف أن الدولة في تلك الفترة حاولت كذلك الحد من نفوذ البنى التقليدية، خصوصاً في المجالين السياسي والقانوني، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة وبناء مواطنة مشتركة، لكنه اعتبر أن هذا المشروع تراجع بعد وصول العسكريين إلى الحكم عام 1978.

وقال إن الأنظمة التي حكمت موريتانيا منذ ذلك التاريخ، رغم التغييرات التي طرأت على بعض الأسماء والقيادات، لم تحدث تحولاً جوهرياً في هذا المسار، بل شهدت، بحسبه، تراجعاً في مشروع الدولة الوطنية والمواطنة، مقابل عودة الاهتمام بالبنى التقليدية وتشجيع ولاءات فرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

واعتبر ولد انداري أن النتيجة كانت عدم قدرة الدولة الموريتانية على بناء مواطنة راسخة وهوية مشتركة تجمع مختلف المواطنين، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الحديث عن القبيلة لا يعني الدعوة إلى إلغائها، نظراً إلى أدوارها الاجتماعية والتكافلية وارتباط بعض جوانبها بأحكام شرعية.

لكنه شدد على أن المشكلة تظهر عندما تنتقل القبيلة من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي والقانوني، موضحاً أن الدولة والقبيلة لا يمكن أن تتعايشا باعتبارهما مركزين متساويين للولاء السياسي، لأن الدولة تحتاج إلى أن يكون الولاء لها هو الأعلى، بينما يمكن للانتماءات الفرعية أن تؤدي أدوارها الاجتماعية إذا بقيت خارج منافسة الدولة في المجالين السياسي والقانوني.

وفي ما يتعلق بدور المدرسة، أكد ولد انداري أن التعليم يمثل أحد أهم الأدوات لبناء المواطنة وصناعة الوعي المدني، وربما أهمها، لأنه يسهم في ترسيخ احترام القانون وتعزيز الإحساس بالمصلحة المشتركة والمال العام، وبناء هوية وطنية تتقدم على الهويات الفرعية.

وقال إن التعثر الذي شهده النظام التعليمي في موريتانيا، خصوصاً منذ عام 1978، كان له تأثير سلبي على بناء المواطنة، معتبراً أن التعليم لم ينجح في تكريس الهوية الوطنية الجامعة بالقدر المطلوب، بل ساهم، بحسبه، في تعزيز هويات فرعية على حساب الهوية الوطنية.

وأشار إلى أن تجارب دول أخرى أظهرت إمكانية بناء انتماء وطني مشترك رغم وجود عشرات القوميات واللغات والهويات، وذلك من خلال التعليم ومجموعة من السياسات والمؤسسات التي تعزز مفهوم المواطنة.

وربط ولد انداري بين ذلك وبين مشروع المدرسة الجمهورية في موريتانيا، معرباً عن أمله في أن يتحول المشروع إلى ممارسة حقيقية وألا يبقى مجرد شعارات، وقال إن وجود إرادة فعلية لبناء مدرسة جمهورية يمكن أن ينعكس إيجاباً على بناء مواطنة جامعة بين الموريتانيين.

وفي حديثه عن العلاقة بين الثقة في المؤسسات والالتزام بواجبات المواطنة، اعتبر ولد انداري أن هذه المسألة تمثل جوهر مشكلة المواطنة وضعف الدولة، مشيراً إلى أن مؤسسات الحكم تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الوضع القائم.

وقال إن المساواة أمام القانون لم تتحقق بالشكل المطلوب في موريتانيا، وإن بعض أصحاب النفوذ ما زالوا قادرين على الإفلات من العقاب أو التأثير في مسار تطبيق القانون، وهو ما يضعف ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها.

وأضاف أن المواطن عندما يشعر بأن القانون لا يطبق على الجميع بالقدر نفسه، تتأثر علاقته بالدولة وبمفهوم المواطنة، موضحاً أن جزءاً من المشكلة يتمثل في نظرة المواطن إلى الدولة باعتبارها بنية فوقية فُرضت في مرحلة الاستعمار، من دون أن يجد نفسه ممثلاً فيها بالشكل الكافي، وهو ما ينعكس على مستوى ارتباطه بها وعلى تعامله مع القانون وواجبات المواطنة.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي