قال الخبير في الشؤون الإفريقية محفوظ السالك إن الجزائر تؤكد أنها أسقطت الطائرة بعدما دخلت الحدود الجزائرية، وذلك رغم توتر العلاقات بين البلدين وإغلاق المجال الجوي بينهما واستدعاء كل طرف سفيره لدى الآخر.
وأضاف خلال مقابلة له مع قناة TTV مساء أمس الأثنين أن الطرف المالي يصعّد أحياناً، لكنه في الوقت نفسه يبقي يد الحوار ممدودة، ويقدم حالياً نموذج علاقاته مع الجزائر على أنه منفتح على العلاقات مع مختلف الأطراف، خصوصاً دول الجوار.
وأشار إلى أن الجزائر كانت متهمة، وربما لا تزال متهمة من طرف مالي، بدعم الحركات المسلحة الأزوادية، لافتاً إلى أن بعض الاتهامات تذهب إلى حد القول إنها تقدم الدعم لبعض الأطراف المسلحة الأخرى، بينما ينفي الطرف الجزائري ذلك.
وأكد أن ما بقي حتى الآن، رغم عودة العلاقات بين الطرفين، هو استمرار اتهام مالي للجزائر بدعم الحركات الأزوادية.
وأوضح أن السؤال المطروح هو ما إذا كانت مالي تستطيع، من خلال استعادة العلاقة مع الجزائر، فرض حصار على الجماعات الأزوادية وقطع الطريق أمام ما كانت تقوم به الجزائر من تقديم دعم لها، مؤكداً أن هذا الأمر لم يتضح حتى الآن.
وفيما يتعلق بإمكانية استعادة الجزائر دور الوسيط، قال محفوظ لسالك إن الطرف المالي ألغى الاتفاق الذي كان قائماً منذ عام 2015 بين مالي والحركات الأزوادية، والذي تم بإشراف من الجزائر.
وأضاف أن الحكم الانتقالي الجديد في مالي يتبنى توجهاً يرفض التدخل في الشؤون الداخلية، موضحاً أن مالي أكدت، حين ألغت الاتفاق، أنها منفتحة على الحوار مع المجموعات الأزوادية، ولكن على الأراضي المالية ومن طرف مالي، ومن دون وجود وسيط خارجي أياً كان.
وأشار إلى أن السؤال هو ما إذا كان الطرف المالي سيتراجع عن هذا الشرط، مؤكداً أن الاتفاق أُلغي ولم تتم استعادته حتى الآن، وأن مالي أعلنت انفتاحها على الحوار، ولكن من دون وسيط.
وأوضح أن الطرف الأزوادي يرفض غياب الوساطة، لأنه يعتبر أن وجود وسيط يمكن أن يشكل ضمانة لالتزام الطرف المالي بما سيتم الاتفاق عليه.
وفيما يتعلق بالجماعات الجهادية في معادلة الصراع بين الدولة والحركات الأزوادية، قال إن الجماعات المسلحة التي تصنفها مالي، وكذلك المجتمعان الإقليمي والدولي، جماعات إرهابية، لم تكن في السابق تتفاعل مع ما يحدث في الشمال الأزوادي.
وأشار إلى وجود تداخل قبلي واجتماعي وقومي بين بعض هذه الحركات والمجموعات الأزوادية، لكنه أكد أنه كان من النادر أن يحصل تفاهم أو توافق أو تنسيق بينها.
وأضاف أن التنسيق بين هذه المجموعات حصل في الآونة الأخيرة، وهو ما عزز موقف مالي الرسمي، لأنها تتهم المجموعات الأزوادية، مثلها مثل المجموعات الأخرى، بأنها إرهابية وتتحالف مع الإرهابيين.
وأكد أن هذا التحالف لم يكن تأثيره كبيراً، لأنه لم يستطع استعادة مختلف المدن التي يسيطر عليها الجيش المالي.
وأوضح أن هذا التحالف تمكن من قتل وزير الدفاع المالي، ووجه ضربات قوية إلى عدة جبهات، في إشارة إلى هجمات الخامس والعشرين من أبريل، لكنه لم يستطع إحراز تقدم كبير يشكل بالفعل نقطة فارقة في مسار الاقتتال بين الطرف المالي والمجموعات الأزوادية.
وأشار إلى أن الاقتتال بين الحليفين الجديدين يحاول الطرفان تقديمه على أنه ليس تحالفاً نهائياً، وإنما تحالف مؤقت نتيجة لتلاقي بعض الأهداف.
وأضاف أن أحد العوامل التي ربما حالت دون إحراز هذا التحالف تقدماً كبيراً هو أن هجماته تأتي بشكل متقطع، وتأخذ وقتاً طويلاً من أجل تنفيذها، بعكس الجيش المالي الذي ينفذ هجماته بشكل مستمر ومتوالٍ.
وفيما يتعلق بإمكانية أن يؤدي الضغط الجهادي إلى دفع الخصوم التقليديين نحو تفاهمات تكتيكية، قال محفوظ لسالك إن تفاهمات من هذا النوع يمكن أن تحصل، لكن الإشكال يكمن في أنها في الغالب لا تكون نهائية.
وأضاف أن تفاهمات من نوع آخر حدثت في السابق، لكن في كل مرحلة، عندما يأتي نظام جديد، تكون لديه استراتيجية مختلفة للتعاطي مع هذا الإشكال، وبالتالي يتجاوز ما قبله ويبدأ توجهاً جديداً.
وأكد أن مالي، منذ وصول العسكريين إلى السلطة، اعتمدت على البعد العسكري، ولم تفتح الباب بشكل نهائي حتى الآن أمام الحوار، رغم إعلانها استعدادها لذلك.
وأشار إلى أن التركيز على البعد العسكري لم يحسم الصراع حتى الآن، رغم أن مالي استعادت من خلاله بعض المناطق الاستراتيجية، تحديداً وبعض مناطق الشمال الأخرى.
وأوضح أن مالي، بالاعتماد على الخيار العسكري، لم تستطع استعادة جميع المناطق، وربما يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، نتيجة تدخل بعض الأطراف الأخرى الداعمة للجبهة الأزوادية، سواء من داخل القارة الإفريقية أو من خارجها.
وأضاف أن هذا التدخل ربما جعل تحقيق الحسم أمراً مستحيلاً في المنظور القريب.
وأكد أن الطرفين جربا الحوار كما جربا الاقتتال، لكن أياً منهما لم يستطع حتى الآن حسم الصراع.
كما أوضح أن عودة العلاقات بين مالي والجزائر لا تعني بالضرورة عودة شروط الوساطة السابقة، خصوصاً أن مالي ألغت اتفاق عام 2015 وتتمسك، حتى الآن، بحوار مباشر مع الحركات الأزوادية داخل الأراضي المالية ومن دون وسيط خارجي.
وأشار إلى أن موقف الحركات الأزوادية مختلف، لأنها ترى أن وجود وسيط يمكن أن يكون ضامناً لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، وهو ما يجعل مسألة الوساطة إحدى أبرز نقاط الخلاف التي قد تواجه أي مسار تفاوضي جديد.
وأضاف أن استمرار العمليات العسكرية، بالتوازي مع وجود قنوات اتصال محتملة وتفاهمات تكتيكية بين بعض الأطراف، يجعل مستقبل الصراع مفتوحاً على عدة احتمالات، في ظل عجز الخيار العسكري والحوار، كل على حدة، عن تحقيق حسم نهائي حتى الآن.