أصدرت منظمة “العافية أمونكه” بيانًا شديد اللهجة عبّرت فيه عن “قلق بالغ وخشية عميقة” إزاء التصريحات التي أدلى بها السياسي الموريتاني جميل منصور خلال ندوة نظمتها هيئة الساحل تحت عنوان “العبودية وقضية الحراطين”، معتبرة أن حديثه عن كون المكوّن الحرطاني يشكّل “الأغلبية الديموغرافية” في موريتانيا يمثل “تصريحًا سياسيًا متهورًا” و”خطرًا اجتماعيًا داهمًا”.
وقالت المنظمة، في بيان صادر من نواكشوط بتاريخ 21 مايو 2026، إن هذا الطرح “لا يصمد أمام الحقيقة”، مشيرة إلى غياب أي إحصاء رسمي يقوم على التصنيف العرقي للسكان، ومؤكدة أن المكوّن الحرطاني “عابر للتركيبة القبلية” ولا يمكن فصله عنها.
واتهم البيان ما وصفه بـ”الخطاب الشعبوي” بالسعي إلى “إيهام فئات محرومة بأنها أغلبية تُنهب خيرات البلد منها”، محذرًا من أن هذا النوع من الخطاب “يهدد الوحدة الوطنية ويغذي الانقسامات الاجتماعية”.
كما حمّلت “العافية أمونكه” المسؤولين السياسيين مسؤولية “صون السلم الأهلي”، داعية السلطات إلى مراقبة التصريحات التي قد تؤدي إلى “تأجيج التوترات المجتمعية وزعزعة الأمن الداخلي”.
وأكدت المنظمة رفضها “تقسيم الشعب إلى إثنيات متنافسة”، معتبرة أن “الفقر هو الأغلبية الحقيقية الوحيدة التي تجمع الموريتانيين”، ودعت إلى تبني أجندة وطنية ترتكز على مكافحة الفقر، وتحسين التعليم، وتعزيز العدالة وبناء المواطنة.
وفيما يلي نص البيان كاملا:
بيان العافية أمونكه بشأن تصريحات السيد جميل منصور خلال ندوة هيئة الساحل — 21 مايو 2026
تتابع العافية أمونكه بقلق بالغ وخشية عميقة التصريحات التي أطلقها اليوم السيد جميل منصور، عضو الأغلبية الرئاسية، من على منصة ندوة هيئة الساحل تحت عنوان ” العبودية وقضية الحراطين”.
إن الإعلان بصوت رسمي وعلى الملأ أن المكوّن الحرطاني يشكّل الأغلبية الديموغرافية في موريتانيا هو تصريح سياسي متهوّر، وادّعاء واقعي مشكوك فيه، وخطر اجتماعي داهم لا يُستهان به.
أولاً : ادّعاء لا يصمد أمام الحقيقة
على صعيد الواقع المُعاش :
لا توجد قبيلة واحدة في هذا البلد تشكّل فيها الفئة الحرطانية أغلبية تتجاوز إخوانها غير الحراطين من أبناء نفس القبيلة. فالمكوّن الحرطاني بطبيعته مكوّن عابر لكل التركيبة القبلية، ولا يمكن عزله عنها.
في مدننا التي يتجاوز عدد سكانها عشرين ألف نسمة، يندر جداً أن تتخطى الفئة الحرطانية عددياً الفئات الأخرى المكوّنة للمكوّن العربي.
وفي غياب أي إحصاء رسمي يُصنّف السكان على أساس عرقي، وهذا ليس من باب الصدفة، فإن أي ادّعاء بأغلبية ديموغرافية لمكوّن بعينه لا يعدو كونه توظيفاً سياسياً لا صلة له بالعلم ولا بالحقيقة.
ثانياً : تصريح يخدم المتطرفين لا أبناء المجتمع الحرطاني
العافية أمونكه ترفض أن يُفهم صمتها تواطؤاً مع خطاب يزعم الدفاع عن مجتمع فيما هو في الحقيقة يستغله ويوظّفه.
وجه هذا الشعبوية الحقيقي معروف ومكشوف : إيهام مواطنين موريتانيين محرومين في الغالب من التعليم والمعلومة بأنهم أغلبية، وأن خيرات البلد تُنهب منهم، وأنهم مدعوون للانتفاض ضد إخوانهم وأبناء وطنهم.
هذا الخطاب لا يُحرّر أحداً. بل يُفرّق الجميع. ويُثري حفنةً من الخطباء. ويُنهك إلى الأبد نسيج الوحدة الوطنية.
وحين يتبنّى مسؤول سياسي من الأغلبية الرئاسية هذه الرواية ويضفي عليها شرعية مؤسسية، فهو لا يُشعل شرارة، بل يسكب الزيت على نار مشتعلة.
ثالثاً : موقف العافية أمونكه — صريح، ثابت، لا تنازل عنه
نرفض تقسيم شعبنا إلى إثنيات متنافسة.
نرفض تفتيت المكوّن العربي إلى فئات متعادية.
نرفض أن يُضحى بالتوازن الاجتماعي المهدَّد أصلاً على مذبح الطموحات الانتخابية الضيّقة.
موريتانيا بلد فقير. وهذا الفقر هو الأغلبية الحقيقية الوحيدة التي تجمع كل مكوناتها دون استثناء. الحرطاني الفقير والعربي الفقير والفولاني الفقير والسونينكي الفقير يتشاركون نفس الحرمان ويستحقون نفس الحلول. صراع الطبقات ليس صراع إثنيات. الجوع لا قبيلة له، والجهل لا لون له، والظلم لا يختار لون ضحيته.
رابعاً : ما نطالب به بصوت عالٍ
العافية أمونكه تدعو بكل جدية ووضوح :
أولاً : المسؤولين السياسيين إلى الكف الفوري عن تغذية الشقوق الهوياتية، وتحمّل مسؤوليتهم الكاملة في صون السلم الأهلي الذي لا ثمن يعادله.
ثانياً : السلطات المختصة إلى مراقبة صارمة للتصريحات العلنية التي من شأنها تأجيج التوترات المجتمعية وزعزعة الأمن الداخلي للبلاد.
ثالثاً : كل قوى الأمة الحية إلى الالتفاف حول أجندة وطنية حقيقية للقطيعة مع الوضع الراهن : حرب شاملة على الفقر والتفاوت، تعليم جيد للجميع، قضاء مستقل ونزيه، وبناء مواطنة موريتانية راسخة فوق كل تفرقة وانقسام.
لا تحتاج موريتانيا إلى من يحصي الإثنيات ويقيس الأغلبيات. بل تحتاج إلى بنّائين يعمّرون المواطنة ويُعلون صرح الوحدة.
صادر من نواكشوط، في 21 مايو 2026
العافية أمونكه
معرفة — عدالة — وحدة
“