حذّر أستاذ العلوم السياسية وخبير الجيوبولتيكا محمد محمود ولد المعلوم من أن المقاربة الأمنية الموريتانية، القائمة على الوقاية والحوار، باتت تواجه تحديات متزايدة في ظل تحولات عميقة يشهدها فضاء الساحل، الذي يتجه –حسب وصفه– نحو مزيد من التصعيد العسكري وعدم الاستقرار.
وأوضح، خلال مداخلة له في النشرة المسائية على قناة TTV، أن التهديد الأكبر لم يعد يقتصر على الجماعات الجهادية، بل أصبح مرتبطا بإمكانية تفكك الدولة في مالي، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على موريتانيا بحكم الجوار الجغرافي، في ظل محدودية الإمكانيات المتاحة لمواجهة مثل هذه السيناريوهات المعقدة.
وأشار ولد المعلوم إلى أن الاستقرار في موريتانيا يظل “استقرارا نسبيا وهشا”، لأنه لا يستند بشكل كافٍ إلى مؤسسات ديمقراطية قوية أو إلى وعي مجتمعي راسخ، بل يعتمد بدرجة كبيرة على تفاهمات غير معلنة مع الجماعات المسلحة، وهو ما يجعل هذا الاستقرار قابلا للاهتزاز في حال تغيرت المعطيات الإقليمية أو اختلت تلك التفاهمات.
وبيّن أن التجربة الموريتانية تميزت عن بقية دول الساحل بثلاثة عوامل أساسية، تمثلت في المعرفة الدقيقة بطبيعة الجماعات الجهادية، واعتماد خيار الحوار معها منذ سنوات، إضافة إلى التفاهمات التي جنّبت البلاد موجات العنف، مؤكدا أن هذه المقاربة ساهمت في الحفاظ على قدر من الاستقرار، لكنها لم تعد كافية في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
وفي سياق حديثه عن العلاقات الموريتانية الفرنسية، اعتبر ولد المعلوم، أن العلاقة بين البلدين تقوم أساسا على ملفي الجهاديين والهجرة غير النظامية، مشيرا إلى أن تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة منح نواكشوط موقعا أكثر أهمية كشريك إقليمي، وهو ما يوفر لها هامشا أوسع للمناورة في إدارة هذه العلاقة.
كما لفت إلى أن العلاقة مع الجماعات الجهادية يمكن توصيفها بـ”الحرب الباردة”، حيث تستمر التفاهمات بشكل غير مباشر، لكنه حذر من أن أي إخلال بهذه الترتيبات أو توتر في العلاقة مع بعض التيارات الدينية قد يؤدي إلى تصعيد أمني مفاجئ، يعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
وفي ما يتعلق بملف الهجرة، أكد ولد المعلوم أنه لم يعد مجرد قضية إنسانية، بل تحول إلى ملف أمني واستراتيجي ضاغط، خاصة في ظل المقاربة الأوروبية الرامية إلى وقف تدفقات المهاجرين، مشيرا إلى أن موريتانيا أصبحت تلعب دورا متقدما في هذا الإطار، ضمن ما يشبه “حماية الحدود الأوروبية”، وهو ما قد يترتب عليه تحديات داخلية، من بينها استقرار أعداد من المهاجرين داخل البلاد وتأثير ذلك على النسيج الاجتماعي.
وأضاف أن هذا الدور يطرح إشكالية التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الخارجية، خاصة وأن العائدات المادية من هذا التعاون –حسب تقديره– لا ترقى إلى حجم الأعباء التي تتحملها موريتانيا في هذا المجال.
وختم بالتأكيد على أن تحقيق الاستقرار الحقيقي في دول الساحل لا يمكن أن يتم عبر المقاربات الأمنية وحدها، بل يتطلب معالجة الجذور العميقة للأزمات، وفي مقدمتها الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، مع بناء مؤسسات ديمقراطية قوية وترسيخ قيم المواطنة، محذرا من أن استمرار هذه الاختلالات يجعل من العنف خيارا بديلا لدى بعض الفئات، خاصة في البيئات الهشة.