اعتبر المحلل السياسي السنغالي مصطفى سيس أن امتناع الحكومة السنغالية عن دعم ترشيح الرئيس السابق ماكي سال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة يتجاوز كونه موقفًا دبلوماسيًا ظرفيًا، ليعكس تعقيدات عميقة في المشهد السياسي الداخلي، وتباينات داخل المنظومة الإفريقية حول آليات التمثيل الدولي.
وأوضح سيس، خلال مداخلته في النشرة التحليلية “مساء TTV”، أن ترشيح ماكي سال لم يكن نتاج توافق سنغالي داخلي، بل جاء بمبادرة من بوروندي، التي تتولى رئاسة الاتحاد الإفريقي، عبر ما يُعرف بـ”الإجراء الضمني السريع”، وهو مسار بروتوكولي يسمح بتمرير الترشيحات ما لم تُسجل اعتراضات رسمية خلال مهلة قصيرة لا تتجاوز 24 ساعة. غير أن هذا المسار، بحسب سيس، فجّر اعتراضات داخل القارة، حيث رفضت السنغال، إلى جانب نحو 19 دولة إفريقية أخرى، هذا الترشيح، معتبرة أنه تم دون تشاور مسبق، في مخالفة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها داخل الاتحاد.
وأكد سيس أن الموقف السنغالي الرسمي، بقيادة الرئيس باسيرو جوماي فاي، يستند أساسًا إلى اعتبارات سياسية داخلية متصلة بإرث المرحلة السابقة، إذ ترى السلطة الحالية أن فترة حكم ماكي سال، خصوصًا بين عامي 2021 و2024، شهدت قمعًا للمعارضة واحتجاجات عنيفة أوقعت عشرات الضحايا، وهو ما يجعل دعمه سياسيًا مكلفًا أمام قاعدة انتخابية قامت أساسًا على خطاب القطيعة مع الماضي.
وأضاف أن الحكومة السنغالية، رغم الضغوط التي مارستها بعض الدول الإفريقية لدفعها نحو دعم الترشيح، تمسكت بموقفها الرافض، بل وأبلغت شركاءها داخل الاتحاد الإفريقي بأنها “غير معنية” بهذا الملف، في إشارة واضحة إلى رغبتها في فك الارتباط الرمزي مع مرحلة ماكي سال.
وفي المقابل، أشار سيس إلى أن هذا الرفض لا يعكس إجماعًا داخليًا، إذ تواجه الحكومة انتقادات من أطراف سياسية ودينية ومجتمعية، ترى أن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تعيق دعم مرشح وطني لمنصب دولي رفيع، معتبرة أن ما يحدث يُفوت على السنغال فرصة تاريخية لتعزيز حضورها في مراكز القرار الدولي.
وحذر سيس من أن هذا النهج قد يضع الحكومة في موقف حرج: فدعم سال يُغضب قاعدتها، ورفضه يُفقد السنغال فرصة تاريخية لتمثيلها في أعلى منصب أممي
وعلى مستوى الحظوظ الأممية، قلّل سيس من تأثير الموقف السنغالي على فرص ماكي سال، موضحًا أن نظام الترشيح داخل الأمم المتحدة لا يشترط دعم الدولة الأم، وأن سال حصل بالفعل على دعم عدد معتبر من الدول الإفريقية، ما يتيح له الاستمرار في السباق. كما لفت إلى أن الحسم النهائي يظل بيد الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، صاحبة حق النقض، إلى جانب مجموعة من الدول الأخرى، ما يجعل المعركة في جوهرها دولية أكثر منها إفريقية.
وفي قراءة أوسع، اعتبر سيس أن هذه القضية تكشف محدودية التنسيق الإفريقي في معارك التمثيل الدولي، حيث لا تزال الدول تتصرف بمنطق وطني ضيق، رغم الخطاب الوحدوي، وهو ما يضعف قدرتها على فرض مرشحين توافقيين في مؤسسات النظام الدولي.
كما حذر من أن تمسك الحكومة السنغالية بموقفها قد ينعكس سلبًا على صورة البلاد الإقليمية، خاصة في غرب إفريقيا، حيث تبدو – وفق تعبيره – أقل انفتاحًا وأكثر ميلًا إلى الانكفاء، مقارنة بالدور الذي كانت تلعبه سابقًا كفاعل محوري في التوازنات الإقليمية.
وختم سيس بأن ترشيح ماكي سال، سواء نجح أو تعثر، سيبقى اختبارًا مزدوجًا: لقدرة السنغال على إدارة انتقالاتها السياسية دون كلفة دبلوماسية، ولقدرة إفريقيا على توحيد مواقفها في معارك النفوذ داخل المؤسسات الدولية، في عالم لا يعترف إلا بتوازنات القوة أكثر من اعتبارات الشرعية القارية.