تخطَّ إلى المحتوى

لاجئو موريتانيا يُخمِدون نيرانها، عرفانًا بالجميل

Hanevy Dahah
4 دقائق قراءة429

يتحرّك الرجال في إيقاعٍ واحد، يتمايلون مصطفّين ويضربون الأرض بأغصانٍ نحيلة مع غروب الشمس فوق صحراء موريتانيا القاحلة القاسية. يتردّد صوت ارتطام الخشب بالعشب الجافّ بانسجامٍ تام، في تقنية صقلتها أكثر من عشرة أعوام من مكافحة حرائق الأدغال.

لا حريق اليوم، غير أنّ الرجال — وهم رجال إطفاء متطوّعون بدعمٍ من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين — يواصلون التدريب. ففي هذا الجزء من غرب إفريقيا، تُعدّ حرائق الأدغال فتاكة؛ إذ قد تندلع في لحظة وتستمر أياماً. وتتقاسم هذا الإقليم الفقير الشاسع أسرٌ موريتانية وأكثر من 250 ألف لاجئ من مالي المجاورة، يعتمدون جميعاً على الغطاء النباتي الشحيح لإطعام مواشيهم.

بالنسبة إلى رجال الإطفاء اللاجئين، تمثّل مواجهة النيران ضرباً من ردّ الجميل للمجتمع الذي استضافهم حين فرّوا من العنف والاضطراب في مالي. كان حنتام آغ أحمدو في الحادية عشرة حين غادرت أسرته مالي عام 2012 واستقرّت في مخيم «امبرة» للاجئين بموريتانيا، على بُعد 48 كيلومتراً من الحدود المالية. وكحال معظم اللاجئين والسكان المحليين، تنتمي أسرته إلى الرعاة، وقد أدركوا سريعاً مدى سرعة انتشار الحرائق وقسوتها.

وقال لوكالة أسوشيتد برس: «قلنا لأنفسنا إن كرم المجتمع المضيف مذهل؛ هؤلاء الناس يتقاسمون معنا كل ما لديهم، وكان علينا أن نفعل شيئاً لتخفيف العبء». بدأ والده بتنظيم متطوعين لمكافحة الحرائق، بلغ عددهم آنذاك نحو 200 لاجئ. ويشير آغ أحمدو إلى أنّ الموريتانيين يكافحون حرائق الأدغال منذ عقود، غير أنّ اللاجئين الماليين جلبوا خبراتٍ منحتهم أفضلية.

ويؤكد: «لا يمكن إخماد حرائق الأدغال بالماء؛ فهذا مستحيل، إذ قد تندلع أحياناً على بُعد مئة كيلومتر من أقرب مصدر للمياه». وبدلاً من ذلك، يستخدمون أغصان الأشجار لخنق اللهب. «تلك هي الطريقة الوحيدة»، يقول.

«لواء» المتطوعين

منذ عام 2018، بات رجال الإطفاء تحت رعاية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فيما يمول الاتحاد الأوروبي تدريبهم وتجهيزهم، إضافة إلى شقّ خطوط عازلة لوقف انتشار النيران. ويضمّ المتطوعون اليوم أكثر من 360 لاجئاً يعملون بالتنسيق مع السلطات المحلية ورجال الإطفاء في المنطقة.

عند اندلاع حريق وتلقي الإنذار، ينطلقون بشاحناتهم الصغيرة إلى الموقع. وهناك، تنتشر مجموعة من 20 رجلاً على حافة اللهب، يضربون الأرض بأغصان الأكاسيا — وهي شجرة نادرة مقاومة للحرارة — بينما تبقى ثلاث فرق أخرى على أهبة الاستعداد لتعويض الفريق الأول إن لزم الأمر.

بدأ آغ أحمدو مرافقة رجال الإطفاء وهو في الثالثة عشرة، حاملاً الماء والمؤن. وأخمد أول حريق في الثامنة عشرة، ومنذ ذلك الحين شارك في إخماد مئات الحرائق. وهو يدرك خطورة المهمة، لكنه لا يدع الخوف يقيّده.

يقول: «لا بدّ أن يقوم أحد بهذه المهمة. إن لم تُوقَف النيران، فقد تمتد إلى مخيم اللاجئين والقرى، فتقتل المواشي والبشر، وتدمّر اقتصاد المنطقة بأكملها».

بلد هشّ أمام تغيّر المناخ

تغطي الصحراء الكبرى نحو 90% من مساحة موريتانيا. ويؤكد خبراء أن تغيّر المناخ سرّع وتيرة التصحر وزاد الضغط على الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه. وتحذّر الأمم المتحدة من أنّ التوترات بين السكان المحليين واللاجئين حول مناطق الرعي تمثّل تهديداً رئيسياً للسلم.

وقال طيار شُكرو جانسيزوغلو، رئيس مفوضية اللاجئين في موريتانيا، إنّ آثار تغيّر المناخ جعلت حتى الموريتانيين يعجزون عن إيجاد مراعي كافية لأبقارهم وماعزهم، بحيث يصبح «حريق واحد» خطراً يهدد الجميع.

عند وصول أولى موجات اللاجئين عام 2012، خصصت السلطات مساحة واسعة لإقامة مخيم «امبرة» الذي يضم اليوم أكثر من 150 ألف لاجئ مالي، فيما يعيش نحو 150 ألفاً آخرين في قرى متناثرة عبر الإقليم الشاسع، وقد يفوق عددهم أحياناً السكان المحليين بنسبة عشرة إلى واحد.

ويقول شيجنا عبد الله، عمدة مدينة فصالة الحدودية، إن «الضغط الكبير على الموارد الطبيعية، خاصة المياه»، يفاقم التوتر بين السكان المحليين والماليين.

ردّ الجميل

ينحني عبد الرحمن مايغا، البالغ 52 عاماً وأحد أعضاء «لواء إطفاء مبيرا»، ليضغط التراب حول شتلة صغيرة ويسقيها بعناية. لتعويض خسائر الغطاء النباتي، بدأ رجال الإطفاء إنشاء مشاتل للأشجار في الصحراء، بما في ذلك الأكاسيا، وزرعوا هذا العام أولى أشجار الليمون والمانغو.

يقول مايغا: «من العدل أن نقف لمساعدة الناس».

ويستذكر أحد أسوأ الحرائق التي واجهها عام 2014، حين أمضى عشرات الرجال — من اللاجئين وأبناء المجتمع المضيف — 48 ساعة في مكافحته، حتى انهار بعض المتطوعين من الإعياء.

أما آغ أحمدو، فيدرك حجم التوترات، لا سيما مع تصاعد العنف في مالي واستحالة العودة بالنسبة إلى معظم اللاجئين. يقول إن هذه هي الحياة التي وُلد فيها — حياة الصحراء، وشحّ الغذاء، و«الأراضي المتدهورة» — ولا مكان آخر يذهب إليه. إنّ الكفاح من أجل البقاء هو الخيار الوحيد.

«لن نذهب إلى أوروبا ونترك ديارنا»، يقول. «علينا أن نصمد. علينا أن نقاتل».

مترجم من وكالة AP

Hanevy Dahah

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً