مِن النظم التعليمي ما هو شعر يُستحسنُ فيُنشدَ تماما كما تُستحسن فتُنشد مقطعات الشعر …
وللشيخ حمدَنْ رحمة الله عليه مِن ذلك حظ وافر تزخر به أنظامهُ، ويتحقق به للطالب مرامهُ، فكأنما يتنزه متناولها بين بساتين أينعت ثمارها، وحدائق تفتقت أزهارها.
ودائما ما أتصور أن أنظام الشيخ حمدَن تجمع بين بديعِ أنظام لمرابط امحمدْ بن أحمد يورَ وسهولة أنظام خالِه القاضي محمذن بن محمد فال “امَّيَيْ” …
في نظمه الشهير في أحكام المسجد، يقول الشيخ حمدَنْ في تعريفه :
وكلُّ أرضٍ حُدِّدَتْ بالشِّيدِ
ونحوِهِ مِنْ أوجُهِ التحديدِ
لِوَضْعِهِ تحْتَ يَدِ المُصَلِّي
فَمَسْجِدٌ كَبِّرْ بهِ وصَلِّ
وليسَ مِنْ شروطهِ التسقيفُ
فالسَّقْفُ عندهمْ لهُ تَخْفِيفُ
فالمسجدُ الحرامُ بَعضُـهُ هَوَا
وما سِوَى الهوَا مَعَ الهَوَى سَوَى
ومن ذلك قوله في نظم الخلاف في غسل الجمعة السُّنِّي : هل يحصل به غسل الجنابة الواجب؟ مصوراً ذلك في شكل ملحمة أبطالها جهابذة من علماء المذهب المالكي كابن كنانة وابن نافع وابن الماجشون وابن وهبٍ ومُطرف وابن القاسم :
كنانةٌ ونافعٌ والماجَشُونْ
أبناؤُهمْ معَ ابنِ وَهبٍ قائلونْ
ما قالهُ مُطرُِفٌ : مَنِ اغْتَسَلْ
لِجُمْعَةٍ غُسْلُ الجنابةِ حَصَلْ
وخالفَ الجميعَ نجلُ القاسِمِ
ورَدَّهُمْ في حالَةِ التقاسُمِ
وقال – إذْ حَفَُتْ بهِ الأعِنَّهْ – :
ما كُنتُ أقضِي واجباً بِسُنَّهْ
واستمعْ إلى نظمه في مسألة نطق الجيم عازياً للشيخ محمد المامي :
خديجةٌ وجعفرٌ وجابرُ
جيمُهمُ تمَّ لها التواتُرُ
ينقلُها عن كلُِ جيلٍ جيلُ
مِنْ غيرِ أن يدخلها التبديلُ
فجلُّ أهلِ النَّحْوِ والأداءِ
ما كانَ مِنْ عَرَبِنا العَرْباءِ
فوصَفوا الجيمَ كما قدْ نطقوا
ورُبَّ سَهْمٍ في السَّمَا يُفَوُِقُ
مسألةٌ أجعَلُها أمامِي
يقودها الشيخُ مُحِمْدْ المامِي
وقد لا تخفى على القارئ شاعرية نظمه عندما يقول في بداية نظمه البديع للمستجدات الفقهية، متكلماً على موقف العلماء منها :
فَبعضهمْ مالَ للانعزالِ
تورعاً من هذه الأحوالِ
وبعضهمْ مالَ للاجتهادِ
معَ انقطاعِهِ بكلِّ وادِ
فضاعتِ الأحكامّ بينَ ذَيْنِ
وظَهَرَ الجهلُ على وجْهَيْنِ
وهو النظم الذي يقول فيه عند الكلام على مسألة الزيادة والنقص في الشهر :
وقد بدتْ مسألةٌ غريبهْ
قد جعلتْ قلوبَنا في رِيبهْ
زيادةُ الشهرِ على أيامِهِ
ونقصُهُ يومينِ مِن تمامِهِ
وذاكَ مِن خلْفِ المطالعِ التي
هي مَحلُّ هذه الأدلةِ
لكنهُ فيما علا الخطابُ،
ففي ثلاثينَ لهُ نصابُ
وغايةُ النقصِ بيومٍ تُعتَبَرْ
بالنصِ والإجماعِ عنْ خيرِ البشَرْ
وصومُ ما يُمنَعُ شرعاً يُمنَعُ
وفِطرُ ما يُصامُ ليسَ يُشرَعُ
والحُكمُ ذا وافقهُ الحُسَيْنِي
إنَّ الحُسَيْنِي بينكمْ وبيْنِي
ويقول فيه متكلماً على أحكام الشعر :
وشيخنا الأجهوري في بابِ الشَّعرْ
قد جعلَ العادةَ أمْراً مُعتَبَرْ
وقال فيما فعل المختارُ
قد كانَ عُرفَ قومهِ يختارُ
فالطرحُ غيرُ الوَصْلِ للنساءِ
فلمْ يكنْ في مَوردِ الأنباءِ
مسائلٌ حَرَّرها ڭَـنُّونُ
زالتْ بها الشكوكُ والظنونُ
تلكم أمثلة من بين أخرى تجري على ذلك المنوالْ، يعذُب عندها المقالْ، ويستريح لها البالْ …
طاب يومكم ،،،
عز الدين