قال لي الشيخُ حمدَن رحمة الله عليه ذاتَ يومٍ ما معناه : ينبغي للشخص أن يكون إنساناً قبل أن يكون أي شيئ آخر، فالإنسانية هي الانتماء الأول للشخص، بحيث يؤدي الانتماء لغيرها قبل الانتماء لها إلى كثير مما نشاهده من مظاهر الغلو والانحراف …
لقد وجد ما قاله الشيخ مكاناً في داخلي، وخرجتُ من عنده بغير ما دخلت …
يُحيل هذا النَسَقُ الفِكْرِيُّ في ذهني إلى تلك القيم المُشتركة والمبادئ السامية التي تتعالى على الانتماءات الضيقة، والتي تُحِيلُ بدورها إلى ما يُسمونه بالفطرة البشرية والذوق السليم …
ألا ترى أن الصادقَ المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام، حَضر حِلفَ الفضول في الجاهلية وقال عنه بعد البعثة : “مَا أحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلاَمِ لَأَجَبْتُ”، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قال إنه بُعِث ليُتممَ مكارمَ الأخلاق، في إشارة إلى أنه جاء لِيبنيَ على منظومة قائمةٍ منها …
ألا ترى أن العلامة القطب الرَّباني : محمذن فالْ بن مِتَّالي رحمة الله عليه قال في رجَزٍ شهير :
الخلقُ كلهمْ أوانِي اللهِ
فما لِآنيةٍ أن تُباهِي
بِمَا بِها فَـهَـيِّـنٌ أنْ يجعَلا
في غيرها الشَّهْدَ وفيها الحَنْظَلا
ألا ترى أنَّ مُحرِّرَ فرنسا من الاحتلال الألماني الرئيسَ الفرنسي الراحلَ : الجنرال “شارلْ دِيغُولْ” لما سأله أحد الصحافة قائلاً : “يا جنرال!، هل تدركون أنكم صنعتم التاريخ؟”، أجابه الرَّئيسُ بما يقترب في فحواه مما نظمه الشيخ في ذَينِكَ البيتَين، لقد قالَ “دِيغُولْ” : إن جودةَ النبيذ الذي نصنعه تعتمد على المَوسم أكثر بكثير مِن اعتمادها على جهودنا الشخصية …
أتذكَّرُ في مجال عالَمية القِيَمِ والأخلاق تِلكَ مُحاضرَتَين قَيِّمَتَين لعلامة البلاد وحافظها وفخرها : المرحوم لمرابط محمدْ سالِم بن عدُّود، أنشدَ في كلٍّ منهما شِعْراً جميلاً في الموضوع زانَهُ إلقاؤهُ العذبُ الصادِرُ مِن شاعر لغويٍّ لوذَعِيٍّ عارف بمحاسن الشعر العربي بأرقَى ما يكون …
أول النصَّين أبياتٌ لِلشاعر الجاهلي عَنترة بن شَدَّاد العبْسي، والذي دائماً ما يستوقفني الوضوحُ النسبيُّ الكبير لِمُعجمهِ الشعرِي، مُقارنةً بِشعراء جيله من العهد الجاهلي، حيث تطغى القاموسية واللسانية :
ما اسْتَمْتُ أُنثَى نَفْسَها في مَوطِنٍ
حَتّى أُوَفِّيَ مَهرَها مَولاها
وَلَمَا رَزَأتُ أَخا حِفاظٍ سِلعَةً
إِلّا لَهُ عِندي بِها مِثلاها
أَغْشَى فَتاةَ الحَيِّ عِندَ حَليلِها
وَإِذا غَزا في الجَيشِ لا أَغشاها
وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي
حَتّى يُوارِيَ جارَتي مَأواها
إِنّــي امْرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ
لا أُتْبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها
وَلَئِن سَأَلتَ بِذاكَ عَبْلَةَ خَبَّرَت
أَن لا أُريدُ مِنَ النِساءِ سِواها
وَأُجيبُها إِمّا دَعَت لِعَظيمَةٍ
وَأُغيثُها وَأَعِفُّ عَمّا سَاها
أما الثاني فهو مقطع جميلٌ مِن قصيدة لِأعْشَى قيس في مدح الأسود بن المنذر اللخمي، حالَ دونَ كتابتِه كَثرةُ الإفلاق، والذي سلِمَ منهُ مطلعُ القصيدة لله الشكر والحمد :
ما بُكاءُ الكَبيرِ بِالأَطلالِ
وَسُؤالي، فَهَل تَرُدُّ سُؤالي؟
طابَ مساؤكُمْ ،،،
عز الدين