تسعى النخب الحاكمة ومن يدور في فلكها إلى تقديم جسر باماكو على أنه إنجاز عظيم، رهانا منها على أن المواطنين أغبياء ولا يميزون بين الحقيقة والافتراء. فهي تنظر إلى الشعب على أنه قطيع أغنام، تتحكم فيه بالاحتقار والتزييف. كل يوم تفاجئنا هذه النخب بأصناف من التملق وأنواع من التطبيل لم نكن نتخيلها. الحقيقة أن الدعاية الحالية حول جسر باماكو هي مؤشر على وجود ثلاث أزمات بنيوية يعاني منها النظام.

أزمة طموح

تبجح النخب بتشييد جسر باماكو على أنه إنجاز تاريخي أمر صادم إلى أقصى حد. ألا يدركون أن عواصم السنغال ومالي وبوركينا فاسو، وأفقر الدول في العالم، تعج بمثل هذه الجسور، دون أن يجرؤ أي كان على اعتبارها إنجازا عظيما ؟ أما في المغرب وتونس والجزائر فمثل هذه الجسور موجودة بالمئات، إن لم تكن بالآلاف، حتى في القريات الصغيرة النائية.

الفرق بين النخب في بلادنا والنخب في دول الجوار يكمن في الطموح والإنجاز. طموح نخبنا أقل بكثير من طموح نخبهم. نخبهم لديها طموح قوي، ويقارنون أنفسهم بالدول المتطورة، لذلك ينجزون مشاريع عملاقة. يطمحون للثورة الرقمية والإنجازات الجسيمة. عندما يفكرون في بناء البنى التحتية، يبذلون قصارى جهدهم للحصول على أفضل مطارات في المنطقة، وسكك حديدية حديثة، وقطارات فائقة السرعة تربط المدن الرئيسية بالعواصم، ومشاريع حضرية ضخمة، تتوافق مع المعايير البيئية والهندسة المعمارية، ومستشفيات ذات جودة عالمية، وجامعات تضاهي أرقى المؤسسات التعليمية في العالم. هذه الدول ليست غنية، ولا تملك بالضرورة مقومات اقتصادية كبيرة، ولكنها تتمتع بإدارة جيدة نسبيا. لذلك نجحت في خفض مستوى الفساد، مما مكنها من جذب الاستثمارات، وخلق ديناميكية اقتصادية تسمح لها بالوصول إلى مستوى دول ناشئة.

أما نخبنا فتكتفي بالقليل، ونظرتها دونية. طبيعة وحجم الإنجازات التي تتشدق بها تعطي فكرة دقيقة عن سقف طموحها. فهي مازالت تعتبر تأهيل ساحة ابن عباس، وتدشين مبان إدارية، وتشييد جسر باماكو…إنجازا كبيرا. وهذا طبيعي جدا، لأن هذه النخب تسعى فقط لتحقيق الرفاهية لنفسها، بدلا من خدمة الشعب والدولة ومؤسساتها، لذلك لا تنجز مشاريع بنيوية، متميزة، مندمجة وعملاقة…. مع أن بلدنا أغنى بكثير من بعض الدول المجاورة، لكنه غير قادر على الانطلاق، بسبب الفساد المستشري على كافة المستويات، وضعف طموح النخب، وسوء الحكامة الذي يخيف جميع المستثمرين.

أزمة إنجازات

الدعاية حول جسر باماكو هي مؤشر على ضعف الإنجازات ومحاولة لإخفاء تفاقم المشاكل في الخمس سنوات الأخيرة، نظرا لغياب مقترحات وحلول ناجعة من طرف الحكومة، وبفعل عدم تبني رؤية إصلاحية على مستوى القمة، الشيء الذي يعكسه غياب الحزم في اتخاذ القرارات، وعدم وجود إرادة قوية للقطيعة مع الأسلوب الذي كانت تسيّر به البلاد سابقا والذي أثبت فشله. الحقيقة أن ما يشغل هذا النظام ليس البنى التحتية ولا إطلاق قاطرة التنمية ولا تخفيف معاناة المواطنين المتفاقمة، وإنما البقاء في الحكم وتحضير الانتخابات المقبلة، عن طريق طمأنة المتنفذين والوجهاء والمفسدين وأصحاب رؤوس الأموال الذين استغنوا بفضل الصفقات العمومية. لذلك كانت الإنجازات على مستوى الطموح.

باستثناء بعض المبادرات، مثل توسيع التأمين الصحي وتوزيع مساعدات نقدية على بعض الأسر الأكثر احتياجا، لا يزال التأثير الاجتماعي للسياسات العمومية دون المستوى. علينا أن نتساءل عن النتائج الملموسة في السنوات الخمس الأخيرة، بعيدا عن الدعاية السياسية : إلى أي مدى تحسنت الظروف المعيشية للمواطنين؟ أين الثورة الزراعية التي تحتاجها البلاد ؟ أين تنويع الاقتصاد الوطني الذي طالما انتظرناه؟ أين الاكتفاء الذاتي ؟ أين عشرات الآلاف من فرص العمل للشباب الذين أجبروا اليوم على النزوح إلى منفى جماعي؟ أين آلاف وحدات السكن الاجتماعي التي تعهد بها الرئيس في حملته الانتخابية ؟ هـل انخفضت الأرقـام الفلكية لوفيات الرضع والأمهات ؟ كـم عدد المواطنين الذين حصلوا على الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم الجيد على مدى السنوات الخمس الماضية؟ أين وصلت حالات مئات الآلاف من المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر؟ هذه هي الأولويات الملحة التي كان على النظام ونخبه الافتخار بإنجازها.

أزمة نخب

نحن نعيش أصعب معادلة، لأن لدينا أزمة نخب، ولاء أغلبها لم يكن أبدا للدولة ولا لمؤسساتها. ظاهرة أنتجت مشكلة وعي ومشكلة حكامة و حتى مشكلة وجود دولة و بسط سلطتها. فقد أظهرت ممارسة السلطة منذ عقود قدرة غير عادية لدى كثير من النخب على المزايدة والمنافسة في الولاء للحاكم، والاستماتة في خدمته، وتلميع وتضخيم إنجازاته المتواضعة، بدلا من خدمة الشعب والدولة ومؤسساتها. حتى عندما ينحرف الحاكم عن الطريق الصحيح، تنحرف هذه النخب بدورها ولا تحاول تصحيح المسار أو حتى الحد من الانحراف. بل تدعم هذا الانحراف وتصفق له وتحاول الاستفادة منه، عن طريق تعطيل الدور الرقابي لمؤسسات الدولة وتسخير الإدارة وسياساتها الاقتصادية والمالية والجبائية لنزوات الحاكم.

غالبية النخب التي أوكلت إليها تنمية البلد، وكلفت بتنفيذ سياسات الدولة وتسيير مواردها لا تملك نية للإصلاح، ولا رؤية لإحداث نقلة نوعية للبلد، ولا تصورا تنمويا لمواجهة التحديات. هي نخب مصطنعة، بمفهوم أنها مصنوعة من طرف النظام، لذلك لا تستحق أن تكون نخبا، ولا أن تتحمل مسؤولية تسيير، فلم تبذل مجهودا مهنيا ولا تتمتع في أغلب الأحيان بتكوين فكري أو سياسي.

لقد حان الوقت للخروج من هذه المعادلة بالسعي إلى ترسيخ ثقافة الولاء للدولة الذي يمر عبر بناء مؤسسات قوية و مستقلة تضمن عدم تكرار أي انحراف أو أي استبداد. لا بد من تأسيس نخبة بديلة، ليس فقط عبر وجوه جديدة، وإنما عبر من يحمل أفكارا وقيما بديلة. نحتاج قطيعة مع هذه النخب التي ساهمت في بناء الفساد والتي ما دامت موجودة لا أمل في التغيير، لأنها، باختصار، غير قادرة على أن تنتج شيئا مختلفا. فمثل هذه النخب لا يبني دولة ولا وطنا.

————

محمد المنير
دكتور في العلوم السياسية
موظف سابق لدى الأمم المتحدة