تخطَّ إلى المحتوى

رئيس لجنة التحقيق: حريقا محطتي الكهرباء مرتبطان بخلايا ركّبت فيها شركة «CCM Bâtiment» كابلات جديدة

Hanevy Dahah
8 دقائق قراءة336

قال رئيس اللجنة المستقلة للتحقيق في حريقي محطتي التحويل الكهربائيتين في نواكشوط الشمالية والغربية إن اللجنة خلصت، بعد الاستماع إلى الخبراء وزيارة المواقع، إلى أن الحريقين نشآ في خلايا كهربائية ركّبت فيها شركة «CCM Bâtiment» كابلات ضمن مشروع لإنشاء ثلاث وصلات كهربائية. وأوصى بإعادة النظر في تنفيذ المشروع ضمن إطار مهني أكثر واقعية، وتعزيز السلامة في منشآت الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، وإطلاق إصلاح مؤسسي وفني للشركة.

وأوضح رئيس اللجنة، خلال عرض نتائج عملها أمام الوزير الأول، أن التقرير سُلّم حصريًا إلى رئيس الجمهورية والوزير الأول، وأن أعضاء اللجنة لا يملكون نسخة منه. وأكد أن اللجنة عملت باستقلالية، ولم يحاول الرئيس أو الوزير الأول أو وزير الطاقة والنفط التأثير في عملها، مضيفًا أن اتصالاته بالوزير الأول ووزير الطاقة كانت بمبادرته، ولأغراض تتعلق بتوضيح بعض الجوانب وتوفير الدعم اللازم للتحقيق.

وقال إن اللجنة اعتبرت منذ بداية عملها أن مشروع الوصلات مهم للبلاد ولـ«صوملك»، ويشكل أولوية في مجالي الاستثمار وتوزيع الكهرباء، لكنها رأت في الوقت نفسه أن الشركة ضعيفة مؤسسيًا، مع التمييز بين ضعف المؤسسة ككل وبين ما قد يتوفر لديها من خبراء ومهندسين أكفاء على المستوى الفردي.

فريق التحقيق وأعماله

وأشار رئيس اللجنة إلى أن مدة عملها الأصلية بلغت 30 يومًا من تاريخ أول اجتماع، قبل أن تطلب تمديدها أسبوعًا. وخصصت اجتماعها الأول لوضع منهجية العمل، ثم التقت في اليوم التالي، من باب المجاملة والتعريف بالملف، الأمين العام لوزارة الطاقة والنفط والمدير العام للكهرباء، قبل أن تجتمع بالمدير العام لـ«صوملك» وفريقه.

وأضاف أن اللجنة استعانت بمكتب «EGS» السويسري، الذي أوفد خبيرًا، وبمكتب «Gopa Intech» الألماني، الذي أوفد خبيرين، كما دعمها مهندسان كهربائيان من الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم»، إلى جانب مدير الطاقة والمياه فيها محمدو ليا.

ولفت إلى أن شركة «تازيازت» أوفدت خبيرًا متخصصًا في مكافحة الحرائق، وصفه بأنه رفيع المستوى، للمساعدة في عمل اللجنة. وقال إن الخبير زار الحماية المدنية الموريتانية وقدم لها نصائح. كما استعانت اللجنة بمهندسة معلوماتية وفرتها وزارة الطاقة، وبإطار موريتاني آخر، إضافة إلى ثلاثة خبراء من اللجنة الوطنية لمراقبة الصفقات العمومية ومفتش أو مفتشة من المفتشية العامة للدولة، عند بحث إجراءات الصفقات.

توقيت الحريقين وموقع نشوئهما

وبحسب رئيس اللجنة، تضمن المشروع إنشاء ثلاث وصلات: بين المحطة الشمالية ومحطة «دوال»، وبين المحطة الشمالية والمحطة الغربية، وبين المحطة الشرقية والمحطة الشمالية الشرقية. وقد نشب الحريق الأول في المحطة الشرقية بعد وضع وصلة جديدة في الخدمة بستة أيام، فيما وقع الحريق الثاني في المحطة الشمالية بعد يومين من تشغيل الوصلة.

وقال إن هذا التتابع الزمني لا يثبت وحده وجود علاقة سببية، مشيرًا إلى أن خطًا آخر متجهًا إلى «گيدين» وُضع في الخدمة بالمحطة الشرقية قبل الحريق بنحو شهر، وأن أعمالًا أُجريت في خلية مجاورة بالمحطة الشمالية قبل الحريق بيوم أو يومين. لكنه أضاف أن تحليل الخبراء لموقعي الحريق أظهر أن الحريقين نشآ في الخلايا التي ركّبت فيها الشركة المنفذة للكابلات «CCM Bâtiment» وصلات المشروع.

وبعد تحديد موقع الحريقين، قالت اللجنة إنها راجعت مراحل المشروع منذ التصميم وحتى وقوعهما، ورصدت سلسلة من الإهمال والأخطاء والأعمال التي نُفذت على نحو غير مناسب أو لم تُنفذ. وشدد رئيسها على أن وصف هذه الحالات بأنها أخطاء أو مخالفات أو مسؤوليات قانونية يعود إلى الجهات المختصة، لا إلى اللجنة.

تأخر الاستشاري وضيق المدة ومحدودية المنافسة

وفي ما يتعلق بإعداد المشروع، قال رئيس اللجنة إن مشروعًا بهذا الحجم والأهمية كان يتطلب وجود مهندس استشاري منذ البداية، إلا أن ذلك لم يحصل. كما رأى أن وثائق المناقصة لم تكن واضحة وواقعية بما يكفي، وأن المهلة المحددة للمتنافسين لإنجاز المشروع، وهي أربعة أشهر، كانت أقصر من المطلوب وفق تقديرات الشركة والخبراء الذين استمعت إليهم اللجنة.

وأضاف أن التقديرات التي عرضت على اللجنة أشارت إلى حاجة المشروع لما لا يقل عن 10 إلى 12 شهرًا، لافتًا إلى أن المشروع لم يُستلم بعد، رغم مرور 19 شهرًا. واعتبر أن ضيق المدة قد يكون حدّ من اتساع المنافسة، لأن الشركات التي تضع سمعتها في الحسبان ربما أحجمت عن التقدم لعقد يتطلب تصنيع الكابلات ونقلها وحفر الخنادق وتنفيذ أعمال التركيب خلال مدة غير واقعية.

وذكر أن عدد العروض المقدمة بلغ ثلاثة، وأن الميزانية التقديرية للمشروع كانت 880 مليون أوقية قديمة، في حين أُسند العقد بمبلغ مليار و240 مليون أوقية. وقال إن اللجنة لم تحسم ما إذا كانت الزيادة مبررة، وإن المسؤول الذي أعد التقدير المالي شرح الأساس الذي اعتمده، ورأت اللجنة أن ذلك التقدير يبدو واقعيًا.

وأضاف أن العرض الفائز كان الأقل سعرًا، لكن خبراء من المفتشية العامة للدولة واللجنة الوطنية لمراقبة الصفقات لم يقتنعوا بأن الشركة الفائزة كانت مؤهلة منذ البداية. وبحسب رئيس اللجنة، رأى هؤلاء الخبراء أنه كان ينبغي استبعادها والنظر في العرضين التاليين.

تغيير مُصنّع الكابلات من دون استكمال الشروط

وقال رئيس اللجنة إن الكابلات تشكل نحو 80% من قيمة العقد، وإن الشركة الفائزة طلبت، بعد أيام من إشعارها بإسناد الصفقة، تغيير المُصنّع والعلامة التجارية للكابلات التي تقدمت بها في عرضها. وأضاف أن المدير العام لـ«صوملك» وافق مبدئيًا على بحث الطلب، لكنه اشترط تقديم اختبارات النوع للكابل البديل قبل طلبه، والحصول على موافقة الشركة.

وبحسب ما أبلغت به اللجنة من الشركة، وما أكده رئيسها الأخير، لم تُقدَّم الاختبارات المطلوبة، رغم ذلك اعتُمد كابل بديل. وقال رئيس اللجنة إن المعلومات المقدمة تناولت كابلات أخرى تنتجها الشركة الصينية، منها كابلات بمقاطع 400 و500 مليمتر مربع، لكنها لم تتضمن بيانات دقيقة عن الكابل المركّب، ذي المقطع البالغ 630 مليمترًا مربعًا.

وشدد على أن اللجنة لا تقول إن الكابل هو سبب الحريق، لكنها لا تعرف على نحو دقيق مواصفاته، ولم تحصل حتى يوم عرض النتائج على اختبار النوع الخاص به. وأضاف أن بعثة زارت المصنع في الصين بعد قبول التغيير، لكن خريطة العمل التي اعتمدتها لم تتطابق، بحسب قوله، مع الالتزامات الواردة في العقد الأصلي، ولم يُبرم ملحق تعاقدي يثبت تغيير الكابل؛ لذلك بقيت الالتزامات السابقة هي المرجع التعاقدي.

تركيب الكابلات والاختبارات والتشغيل

وأشار رئيس اللجنة إلى أن الكابلات رُكّبت من دون إشراف استشاري فعلي على مراحل العمل، موضحًا أن الإدارة المركزية للتوزيع في «صوملك»، وهي من أكثر الإدارات انشغالًا بمتابعة متطلبات التشغيل اليومية، كُلّفت بمتابعة المشروع. وقال إن ضغط العمل اليومي، ولا سيما خلال فترة انقطاع التيار، صعّب متابعة أعمال التركيب والتحقق من تفاصيل الوصلات والأعمال الفنية التي كان يفترض أن يتولاها مهندس استشاري.

وأضاف أن الاستشاري حضر متأخرًا، بعد تركيب الكابل ودفنه، ولم يشاهده إلا عندما كُشف جزء منه لأخذ صورة خلال إجراء الاختبارات. وأوضح أن الاستشاري أجرى بعض الفحوص الممكنة، وسجل ملاحظات فنية، لكنه سمح، رغم تلك الملاحظات، بتوصيل الكهرباء من دون تحميل. وقال إن خبراء اللجنة رأوا أنه لم يكن ينبغي السماح بذلك.

وبعد توصيل الخطوط من دون تحميل، وُضعت تحت الحمل في وقت لاحق، رغم ملاحظات الاستشاري. وعزا رئيس اللجنة ذلك إلى ضغط الحاجة إلى الكهرباء وتأخر المشروع، مشيرًا إلى أن الحريقين وقعا بعد ستة أيام من تشغيل إحدى الوصلات، وبعد يومين من تشغيل الأخرى.

مراجعة عقود أخرى وتقييم استمرار الشركة

وقال رئيس اللجنة إن التحقيق لم يقتصر على عقد الوصلات الثلاث، إذ تبين لها أن الشركة نفسها والاستشاري ذاته يتوليان عقودًا أخرى ضمن مشروع الطوارئ الخاص بـ«صوملك»، بعضها أكبر من عقد الوصلات بنحو أربعة أضعاف. وأضاف أن اللجنة رأت أن من واجبها فحص إجراءات إسناد تلك العقود، وتقديم المشورة بشأن مدى سلامة استمرارها.

وأشار إلى أن اللجنة رأت أن استمرار التعامل مع الشركة يستدعي الحذر، بالنظر إلى ما وصفه بوجود شكوك بشأن أهليتها الفنية والمالية، وإلى ما أظهره تنفيذ المشروع على الأرض. لكنه أكد أن أي قرار بإنهاء العقود ينبغي أن يراعي التزامات الدولة التعاقدية، مضيفًا أن إنذارات وُجهت إلى الشركة، من دون أن يحدد ما إذا كانت قد صدرت قبل الحريقين أم بعدهما.

استكمال المشروع وتعزيز الوقاية

وأكد رئيس اللجنة أن تطوير شبكة التوزيع في نواكشوط ضرورة ملحة، وأن معالجة الحريقين لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح المحطتين المتضررتين، بل يجب أن تمتد إلى استكمال المشروع كما صُمم، ضمن شروط أكثر مهنية وواقعية في المدد والجداول الزمنية والإشراف الفني.

وقال إن زيادة قدرات إنتاج الكهرباء، عبر مشروعات متعددة، لن تحقق فائدتها ما لم تستطع الشبكة نقل الطاقة إلى المستهلكين. وأضاف أن اللجنة، و«صوملك» والجهات المعنية بتنفيذ المشروع، ترى ضرورة تعيين مهندس استشاري جديد يتولى مراجعة المشروع ومتابعته ضمن مدد مناسبة، بما يتيح مشاركة شركات قادرة على إنجازه.

ومن بين التدابير التصحيحية التي أوصت بها اللجنة، وضع بروتوكول تدخل مشترك بين «صوملك» والحماية المدنية. وقال رئيسها إن مسار الإبلاغ في الحريقين مر عبر الوالي أو الحاكم قبل وصول فرق الإطفاء، ما أدى، في حالة المحطة الشمالية، إلى توجيه الفرق أولًا نحو المحطة المركزية بدل موقع الحريق. ونقل عن خبير الحرائق أن السيطرة على حريق في منشأة كهربائية من هذا النوع تصبح صعبة بعد ست دقائق، مشددًا على أن اختصار زمن الإبلاغ والوصول قد يقلل الأضرار.

كما أوصت اللجنة بإجراء تقييم شامل لأمن منشآت «صوملك» في مجالي الإنتاج والتوزيع، ووضع توصيات لتعزيز الوقاية من الحرائق وتنفيذها قدر الإمكان. وقال رئيس اللجنة إن الشركة وقّعت اتفاقًا مع الحماية المدنية، ووفرت طفايات ودربت بعض العاملين، لكنه رأى أن ذلك لا يكفي ما دامت إجراءات الجاهزية والاستجابة لا تضمن وجود من يمكنه التدخل عند الحاجة.

دعم فني وإصلاح مؤسسي ومالي

ووصف رئيس اللجنة «صوملك» بأنها مرفق حيوي، مشيرًا إلى أن توقفها ليوم أو يومين يترك أثرًا مباشرًا على الناس والخدمات. وقال إن الشركة تحتاج إلى مساعدة فنية متخصصة وإصلاح مؤسسي يعالج ما وصفه بغياب الإجراءات وضعف الموارد البشرية والاعتماد على استدعاء خبراء من الخارج لتنفيذ أعمال الصيانة.

وأضاف أن اللجنة أوصت بمساعدة فنية جادة تدعم إعادة تنظيم الهيكل الإداري للشركة، وتطوير إجراءات العمل والتوظيف ونقل التكنولوجيا. كما أشار إلى مبادرة إعادة فتح مدرسة المهن، معتبرًا أنها خطوة ينبغي دعمها ضمن مسار بناء الكفاءات المحلية.

وفي الشق المالي، دعا إلى توضيح العلاقات المالية بين «صوملك» والدولة، وجعلها أكثر شفافية وقابلية للتنبؤ. وقال إن هيئة التنظيم يمكنها تحديد التعرفة، فيما تستطيع الدولة تقرير دعم الأسعار بالمستوى الذي تختاره، على أن تكون الفجوة المالية بين الإيرادات والكلفة واضحة ومحددة للشركة، بدل اضطرارها إلى طلب الأموال بصورة متكررة من وزارة المالية.

وأوضح أن وضوح الموارد المتاحة شرط للتخطيط للصيانة على المدى الطويل، معتبرًا أن الشركة لا تستطيع ضمان استدامة منشآتها من دون معرفة الموارد التي يمكنها الاعتماد عليها مسبقًا.

Hanevy Dahah

محرّر في تقدمي