لم يكن خروج مقاتلي جبهة تحرير أزواد من مدينة كيدال حدثا عسكريا عاديا، فالمدينة الواقعة في أقصى شمال مالي ظلت على مدى سنوات رمزا رئيسيا للحركات الطوارقية، ومركزا للصراع بين الجماعات التي تطالب بتغيير وضع شمال البلاد والسلطات المركزية في باماكو.
وخلال الأيام الأخيرة عادت كيدال إلى واجهة الأحداث، بعد إعلان جبهة تحرير أزواد انسحاب مقاتليها منها، بالتزامن مع تقدم القوات المالية مدعومة بعناصر من «Africa Corps» الروسية.
الجبهة قالت إن الانسحاب كان منظما ومؤقتا، وإنه جاء في ظل تصاعد العمليات الجوية ضد مواقعها، بينما أعلنت السلطات المالية دخول قواتها إلى المدينة بعد عملية عسكرية واسعة. وبين الروايتين، تبدو كيدال أمام مرحلة جديدة من الصراع الذي لم يتوقف فعليا رغم تغير الأطراف المسيطرة عليها.
كيدال.. مدينة تحمل أكثر من معنى
أهمية كيدال لا ترتبط بموقعها الجغرافي فقط، فالمدينة تعد من أبرز مناطق انتشار الطوارق في شمال مالي، وارتبط اسمها منذ عقود بالحركات التي خاضت مواجهات متكررة مع الدولة المالية.
وفي عام 2012، أصبحت كيدال واحدة من أبرز مراكز الحركة الوطنية لتحرير أزواد، التي أعلنت استقلال شمال مالي قبل أن تتغير المعادلات العسكرية والسياسية في المنطقة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت السيطرة على المدينة تحمل دلالة تتجاوز حدودها. فكل طرف يسيطر عليها يستطيع تقديم ذلك باعتباره مؤشرا على قدرته على فرض نفوذه في الشمال.
ولهذا فإن عودة الجيش المالي إلى كيدال تمثل مكسبا مهما لباماكو، حتى لو لم تكن وحدها كافية لإنهاء الصراع.
معركة تغيرت أكثر من مرة
اللافت في التطور الأخير أن كيدال لم تكن تحت سيطرة الجبهة منذ سنوات طويلة بصورة متواصلة.
في نوفمبر 2023، تمكن الجيش المالي، بمساعدة قوات روسية، من استعادة المدينة بعد سنوات من سيطرة الحركات الانفصالية عليها. وكان ذلك من أهم الانتصارات العسكرية التي حققتها السلطة الانتقالية في ذلك الوقت.
لكن السيطرة لم تدم طويلا.
وفي أبريل 2026، تمكنت جبهة تحرير أزواد وحلفاؤها من شن هجوم واسع استعادت خلاله المدينة، في وقت كانت فيه القوات المالية تواجه ضغوطا على أكثر من جبهة.
بعد ستة أشهر تقريبا، عاد الجيش المالي إليها مرة أخرى.
هذا التتابع يكشف أن المشكلة لا تتعلق بالسيطرة على كيدال بقدر ما تتعلق بقدرة أي طرف على الحفاظ على نفوذه في منطقة شاسعة وصعبة جغرافيا وأمنيا.
لماذا غادرت الجبهة المدينة؟
السبب الذي أعلنته جبهة تحرير أزواد واضح: تجنب استنزاف قواتها أمام العمليات الجوية والضغط العسكري المتزايد.
الجبهة لم تتحدث عن استسلام، بل قدمت ما حدث باعتباره انسحابا مؤقتا وإعادة انتشار، وقالت إن مقاتليها خرجوا مع معداتهم.
هذا التفسير يحمل أهمية كبيرة، لأن القتال داخل مدينة كيدال كان يمكن أن يتحول إلى معركة مكلفة بالنسبة للطرفين، خصوصا في ظل استخدام الطيران والقدرات العسكرية الروسية إلى جانب الجيش المالي.
وبالنسبة للجبهة، قد يكون الحفاظ على المقاتلين والسلاح أكثر أهمية من الدفاع عن مدينة يمكن استعادتها أو فقدانها مرة أخرى في ظروف مختلفة.
لكن ذلك لا يعني أن فقدان كيدال لا يمثل خسارة.
فالمدينة كانت مركزا سياسيا وعسكريا مهما للجبهة، والخروج منها يحرمها مؤقتا على الأقل من السيطرة على أبرز معاقلها.
الجيش المالي والروس.. ماذا تغير؟
لا يمكن فصل ما جرى في كيدال عن التحول الكبير الذي طرأ على تحالفات مالي العسكرية خلال السنوات الأخيرة.
باماكو قطعت تدريجيا علاقاتها العسكرية مع فرنسا والقوى الغربية، واتجهت نحو موسكو، التي أصبحت شريكا أساسيا للسلطة العسكرية.
القوات الروسية شاركت إلى جانب الجيش المالي في عمليات سابقة لاستعادة مناطق في الشمال، وكان لها حضور واضح في معارك كيدال.
وبالتالي فإن استعادة المدينة مرة أخرى تمنح باماكو فرصة لإظهار أن الشراكة مع روسيا لا تزال قادرة على تحقيق نتائج ميدانية.
لكن التجربة السابقة تفرض قدرا من الحذر.
فالجيش المالي تمكن من دخول كيدال عام 2023، لكنه فقدها مجددا بعد أقل من ثلاث سنوات.
المشكلة إذن ليست في الوصول إلى المدينة، وإنما في القدرة على البقاء فيها وتأمين محيطها والطرق المؤدية إليها.
الصحراء هي الاختبار الحقيقي
في مثل هذه المناطق، لا تكفي السيطرة على مركز المدينة.
شمال مالي مساحة واسعة جدا، والحدود بين مالي والجزائر وموريتانيا والنيجر تمتد عبر مناطق صحراوية يصعب مراقبتها بشكل كامل.
ويمكن للجماعات المسلحة أن تنسحب من المدن وتعيد تنظيم صفوفها بعيدا عن المراكز الحضرية، ثم تعود لتنفيذ هجمات أو قطع الطرق أو استهداف مواقع عسكرية.
ولهذا فإن خروج الأزواديين من كيدال لا يعني بالضرورة خروجهم من المعادلة العسكرية.
السؤال الآن هو أين ستنتشر قواتهم، وكيف ستعيد تنظيم نفسها، وهل ستكتفي بالدفاع عن مواقعها الجديدة أم ستعود إلى أسلوب الهجمات المتحركة ضد القوات الحكومية.
العلاقة مع الجماعات الجهادية
هناك جانب آخر يزيد المشهد تعقيدا، يتعلق بالعلاقة بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.
الطرفان لا يحملان المشروع السياسي نفسه، لكنهما وجدا في مواجهة السلطة المالية مساحة للتعاون.
وخلال الهجوم الذي أدى إلى استعادة كيدال في أبريل الماضي، ظهر هذا التعاون بصورة واضحة.
لكن استمرار هذا التقارب ليس أمرا مضمونا.
فالحركات الطوارقية لديها حساباتها الخاصة، بينما تحمل الجماعات الجهادية مشروعا مختلفا تماما. وقد يجمع الطرفين عدو مشترك في مرحلة معينة، لكن المصالح قد تتعارض لاحقا.
ولهذا فإن انسحاب الجبهة من كيدال قد يفتح أيضا الباب أمام إعادة ترتيب علاقتها بالجماعات الجهادية، خصوصا إذا انتقل القتال إلى مناطق جديدة.
الجزائر تراقب المشهد
قرب كيدال من الحدود الجزائرية يجعل الجزائر من أكثر الدول المعنية بما يحدث في شمال مالي.
فالجزائر لعبت لسنوات دور الوسيط بين باماكو والحركات الطوارقية، وكانت وراء اتفاق السلام الموقع عام 2015.
لكن العلاقات الجزائرية المالية شهدت خلال السنوات الماضية توترا متزايدا، خصوصا مع انهيار الاتفاق وتصاعد الخلافات بشأن التعامل مع الحركات المسلحة في الشمال.
ولهذا فإن عودة الجيش المالي إلى كيدال لا تعني أن الملف أصبح شأنا داخليا ماليا فقط.
فالجزائر تراقب التطورات على حدودها الجنوبية، كما تراقب تحركات الجماعات المسلحة والنازحين والتغيرات التي يمكن أن تؤثر على أمنها الحدودي.
وأي توسع للعمليات العسكرية باتجاه المناطق القريبة من الحدود الجزائرية قد يضع الجزائر أمام وضع أكثر تعقيدا.
ماذا عن سكان كيدال؟
بعيدا عن الحسابات العسكرية، يبقى سكان المدينة هم الطرف الأكثر تأثرا بما يحدث.
سنوات الصراع دفعت أعدادا من السكان إلى مغادرة كيدال ومناطق أخرى في الشمال، ومع كل جولة جديدة من القتال تتراجع فرص عودة الحياة الطبيعية.
السيطرة العسكرية على المدينة لا تعني عودة الخدمات أو المدارس أو الأسواق أو الإدارة المدنية.
وهذا سيكون واحدا من الاختبارات الأساسية أمام السلطات المالية خلال الفترة المقبلة.
فإذا تمكنت باماكو من إعادة مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لعودة السكان، يمكن أن تتحول السيطرة العسكرية إلى وجود أكثر استقرارا.
أما إذا بقيت المدينة محاطة بالتوتر، وظلت القوات الحكومية تسيطر على مركزها فقط، فإن احتمال عودة الاضطراب سيظل قائما.
ماذا تخسر جبهة تحرير أزواد؟
خسارة كيدال بالنسبة للجبهة تتجاوز الجانب العسكري.
المدينة كانت رمزا سياسيا للحركات الطوارقية، والسيطرة عليها كانت تمنح الجبهة ورقة قوية في أي مفاوضات مستقبلية.
أما الآن، فقد أصبحت مضطرة إلى العمل من خارج المدينة، وإثبات أن قدرتها العسكرية لم تتأثر بخروجها منها.
إذا نجحت في الحفاظ على قواتها وإعادة تنظيم صفوفها، فقد يتحول الانسحاب إلى خطوة تكتيكية بالفعل.
لكن إذا تبع فقدان كيدال تفكك في صفوفها أو خسارة مواقع أخرى، فسيكون من الصعب النظر إلى الانسحاب باعتباره مجرد إعادة انتشار.
الأشهر المقبلة ستكون كفيلة بإظهار أي من الاحتمالين هو الأقرب.
ماذا تكسب باماكو؟
بالنسبة للسلطات المالية، استعادة كيدال تأتي في توقيت حساس.
فبعد الخسارة التي تعرض لها الجيش في أبريل، تحتاج باماكو إلى استعادة زمام المبادرة وإظهار قدرتها على استعادة المناطق التي خرجت عن سيطرتها.
لكن كيدال ليست نهاية الحرب.
فالجماعات الجهادية لا تزال ناشطة في مناطق مختلفة من البلاد، كما أن جبهة تحرير أزواد لم تعلن التخلي عن المواجهة.
ومن ثم فإن نقل القوات إلى كيدال وتأمين المدينة سيشكل تحديا في حد ذاته، خصوصا أن مالي تحتاج إلى توزيع قواتها على جبهات متعددة.
انعكاس محتمل على موريتانيا
موريتانيا تتابع ما يحدث في شمال مالي بحكم الجوار الجغرافي، حتى وإن لم تكن طرفا في الصراع.
أي اضطراب واسع في مناطق شمال مالي يمكن أن ينعكس على حركة السكان والتجارة والأمن الحدودي.
كما أن توسع العمليات العسكرية قد يدفع سكانا إلى مغادرة مناطقهم والبحث عن أماكن أكثر أمنا، وهو ما يمكن أن يرفع الضغط على المناطق الحدودية لدول الجوار.
لكن الأهم بالنسبة لموريتانيا هو معرفة اتجاه الصراع خلال المرحلة المقبلة.
فإذا بقي القتال محصورا في شمال مالي، فإن التداعيات قد تظل محدودة.
أما إذا بدأت الجماعات المسلحة في التحرك جنوبا أو غربا، أو اتجهت موجات النزوح نحو الحدود، فسيصبح التطور أكثر أهمية بالنسبة لنواكشوط.
هل يعني خروج الأزواديين نهاية نفوذهم؟
ليس بالضرورة.
التجربة الأخيرة في كيدال نفسها تقدم الدليل.
فالجيش المالي استعاد المدينة في 2023، ثم فقدها في 2026، قبل أن يستعيدها مرة أخرى.
هذا يعني أن ميزان القوى في شمال مالي لا يزال قابلا للتغير.
الجغرافيا أيضا تلعب دورا كبيرا، فالسيطرة على مدينة لا تعني السيطرة على الصحراء المحيطة بها، كما أن الجماعات المسلحة تستطيع الاستفادة من الطبيعة الجغرافية للمنطقة في إعادة الانتشار.
ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم هو من يسيطر على كيدال اليوم، بل من يستطيع الاحتفاظ بها وتأمين الطرق المؤدية إليها، ومن يملك القدرة على منع خصمه من العودة إليها في المستقبل.
مرحلة جديدة في الصراع
خروج جبهة تحرير أزواد من كيدال يمثل بلا شك تطورا مهما، لكنه لا يقدم وحده إجابة عن مستقبل شمال مالي.
باماكو استعادت مدينة تحمل قيمة رمزية كبيرة، والجبهة فقدت أحد أهم معاقلها، وروسيا عززت حضورها العسكري إلى جانب الجيش المالي.
لكن أسباب الصراع التي دفعت الطوارق إلى حمل السلاح لم تختف، كما أن النشاط الجهادي في المنطقة لم ينته.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستدور على الأرجح حول ثلاثة أسئلة رئيسية: هل تستطيع باماكو تثبيت سيطرتها على كيدال؟ وهل تستطيع جبهة تحرير أزواد الحفاظ على قواتها وإعادة تنظيمها؟ وهل ستبقى العلاقة بينها وبين الجماعات الجهادية على حالها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد إلى حد كبير ما إذا كان خروج الأزواديين من كيدال مجرد خسارة مؤقتة للجبهة، أم أنه بداية تحول أوسع في ميزان القوى بشمال مالي.
أما المدينة نفسها، فقد عادت مرة أخرى إلى يد الجيش المالي، لكن تاريخها القريب يقول إن السيطرة عليها لا تعني بالضرورة أن الصراع انتهى.