تخطَّ إلى المحتوى

عبدالله الزين: هوس المكانة يحوّل الأعراس والعزاء إلى أعباء اجتماعية على الأسر

Elhoussein tourad
4 دقائق قراءة43

قال عبدالله الزين، الباحث في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، إن مراسيم العزاء في موريتانيا أصبحت تتداخل، إلى حد ما، مع طقوس الزواج، مشيراً إلى أن بعض السلوكيات التي تُرى اليوم في الأعراس أصبحت حاضرة أيضاً في العزاء، ولكن بطريقة معكوسة.

وأضاف في مقابلة مع قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية مساء أمس الخميس، أن من بين هذه السلوكيات الضحك والكلام، فضلاً عن تكليف الأسر بما لا تطيق، معتبراً أن ذلك يمثل تحولاً خطيراً، وأن هذه الممارسات كلها تدور حول مسألة المكانة الاجتماعية.

وأوضح أن المكانة في المجتمع الموريتاني أصبحت، بحسب تعبيره، «فكرة متكررة»، يسعى الناس إلى استخدامها في كثير من الحالات، وهو ما يدفع الإنسان إلى تحمل الكثير من الأعباء والدخول في تناقضات عديدة من أجل خلق مكانة اجتماعية معينة.

وأشار إلى أن نفقات الأعراس والعزاء تدخل اليوم في هذا «البحث الهستيري عن المكانة»، معتبراً أن ذلك مؤشر على التحول الذي شهده المجتمع الموريتاني منذ ما يربو على عقدين، إذ أصبح هناك سباق محموم نحو خلق مكانة معينة، سواء على مستوى الأفراح أو الأحزان.

وقال إن هذا السلوك يمثل اعترافاً ضمنياً بالنزوع نحو تمثل المكانة، رغم أعبائها الكبيرة التي تثقل كاهل الأسر، موضحاً أن بعض الأسر قد تضطر إلى أخذ قروض لتمويل الأفراح ثم سدادها، بينما تتحمل في مناسبات الأحزان الكثير من الأعباء والالتزامات.

وأكد أن هذا النوع من المقايضات يبني، في حد ذاته، نسقاً يدور حول خلق المكانة، معتبراً أن الموضوع يحتاج إلى التفكيك والوقوف عنده، لأن المجتمعات التي لا تستفيد من أخطائها وتعيد إنتاجها تظل عالقة في النسق نفسه، وهو ما وصفه بأنه سبب رئيسي لمفهوم «الستاتيك» أو علم التوازن.

وفي حديثه عن الإنفاق، قال عبدالله الزين إن الإنفاق يعبر عن جانب مهم جداً في سيكولوجية الإنسان، وإنه أصبح ظاهرة واضحة مع المجتمعات الاستهلاكية والمجتمعات التي تعيش على الصور النمطية، والتي تسعى دائماً إلى إبراز ذاتها من خلال نمطها الاستهلاكي.

وأضاف أن الإنفاق يأتي، من جهة، كتعبير عن التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، لكنه يمثل، من جهة أخرى، تعبيراً عن تناقضات جوهرية وبنيوية ووظيفية داخل المجتمع الموريتاني.

وأوضح أن مظاهر الإنفاق في المناسبات أصبحت متقاربة إلى درجة يصعب معها أحياناً التمييز بين شخص محدود الدخل وشخص معدم وشخص غني، خصوصاً في المناسبات الاجتماعية.

وضرب مثالاً على ذلك بالشخص الذي يسكن في ضواحي نواكشوط، لكنه يسعى إلى إظهار مستوى اجتماعي مختلف، فيذهب إلى خاله وعمه وأقاربه ويجمع منهم ما أمكن، ثم يستأجر منزلاً في حي راقٍ وينفق بشكل مترف لإظهار ذلك المظهر.

وشدد على أن هذا السلوك يكشف عن سباق محموم نحو التنافس الفلكلوري والصوري من أجل إثبات شيء معين، معتبراً أن هذا التحول بدأ، في رأيه، منذ طفرة المال المشبوه والثراء الفاحش.

وقال إن المجتمعات التي تحترم نفسها، والتي يمكن أن تدرس ظواهرها وتفككها، تعتبر أن للأغنياء الحق في أن يصنعوا نسقاً معيناً لأنهم أغنياء، ولأن ثرواتهم لم تأتِ بالضرورة من يوم واحد، وإنما تكونت عبر مؤسسات ومفاهيم مستقرة.

وأضاف أن المشكلة تتمثل في أن الناس أصبحوا جميعاً يتمثلون هذا المظهر، لأن الصورة أصبحت هي المعيار، حتى بات «لا صوت يعلو فوق صوت الإنفاق».

وأكد أن مسألة الإنفاق مهمة وأساسية، لأنها تحدد طبيعة التناقضات البنيوية داخل المجتمع الموريتاني، داعياً إلى الوقوف عندها، لأنها تعبر عن التفاوت القائم، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن التناقض القائم داخل المجتمع.

وأوضح أن طبيعة الإنفاق تكشف أحياناً عن أسر تهتم بالأمور الكمالية أكثر من اهتمامها بالأمور الضرورية، معتبراً أن هذه المسألة تستدعي التوقف عندها لفهم جذور الظاهرة.

وقال إن الفقر يبدأ من فكرة التمثل، موضحاً أنه حتى إذا تجاوز الإنسان الفقر المادي، فقد يبقى الفقر الثقافي دفيناً، وهو ما يرجعه إلى «ترددات عقد دفين» مرتبطة بالرغبة في إثبات شيء معين.

وفيما يتعلق بالمساهمات والهدايا، قال عبدالله الزين إن هذه المسألة هي المشكلة التي ينبغي أن يتوقف عندها الموريتانيون جميعاً، معتبراً أن الجميع أصبح اليوم مكبلاً بهذه الهدايا والمساهمات.

وأضاف أن المساهمات تحولت إلى قيد ملزم، وأسهمت في ظهور الترف غير المعقلن، وفي هدم العقلانية الأسرية، كما خلقت مشكلات مثل السرقة والفساد والنصب والاحتيال، لأنها انتقلت من بعدها المادي البحت إلى بعدها الرمزي، وأصبحت تعبر عن المكانة الاجتماعية.

وشدد على أن هذه المسألة تمثل، في نظره، أكبر قيد وأكبر عائق أمام المجتمعات اليوم، مشيراً إلى أن نحو 70 بالمئة من حالات الطلاق في المجتمع، بحسب تقديره، سببها هذه المساهمات والهدايا.

وأوضح أن الهدايا في المجتمعات المتحضرة تكون ذات طابع رمزي، بينما المساهمات والهدايا في هذا السياق ليست صورة من صور التكافل، وإنما صورة من صور «الدَّين الاجتماعي» أو القيود الاجتماعية، التي سيدفعها الإنسان عاجلاً أو آجلاً.

ودعا الشباب إلى تجاوز هذه الأنماط، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في إعادة الإنتاج، ومشدداً على ضرورة النظر إلى هذا الموضوع بعمق، من خلال المكاشفة والمصارحة داخل المؤسسة الأسرية.

وفيما يتعلق بالضغط الاجتماعي المرتبط بالأعراس والعزاء، قال إن الفارق بين ضغوط الأعراس وضغوط العزاء لم يعد كبيراً كما كان، موضحاً أن ضغوط الأعراس تكون مخططاً لها، بينما يأتي العزاء بشكل مفاجئ، وهو ما أدى، بحسب رأيه، إلى ارتباط المصيبة بالفرح، «وهذا ما لا يجب أن يكون».

وأوضح أن تعامل الإنسان مع المصيبة يجب أن يكون إنسانياً ومحدوداً، وأن يفهم الإنسان الموريتاني أن العزاء ليس مكاناً للتجمهر والتجمع والأكل، بل مناسبة للعزاء، وأن أيام العزاء محدودة لهذا الغرض.

وحذر من أن هذه المسائل أصبحت خطيرة وتحتاج إلى تجاوز، مؤكداً أنه لا ينبغي التعامل معها بالمجاملة.

وختم عبدالله الزين بالقول إن الضغط الاجتماعي موجود في المناسبتين، الأعراس والعزاء، لكنه يرى أن الضغط المادي يكون أكبر في الزواج، بينما يكون الضغط النفسي أكبر في العزاء.

Elhoussein tourad

محرّر في تقدمي