نواكشوط – أعادت ندوة حوارية وسياسية حول قضية الحراطين والفئات الاجتماعية المحرومة في موريتانيا النقاش بشأن العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية إلى واجهة الاهتمام، في ظل استمرار الجدل حول طبيعة التراتبيات الاجتماعية الموروثة، وحدود المعالجة السياسية والقانونية لقضايا التهميش والإقصاء.
وتطرح الندوة، التي حملت عنوان «قضية الحراطين والمجموعات الأخرى المحرومة: أي سبيل إلى الانعتاق؟»، سؤالا يتجاوز قضية مكون اجتماعي بعينه، ليتصل بطبيعة المجتمع الموريتاني نفسه، وبكيفية الانتقال من منظومة اجتماعية تأثرت تاريخيا بالانتماء والنسب والمكانة الموروثة إلى مجتمع يقوم على المواطنة والكفاءة وتكافؤ الفرص.
وأكدت المداخلات أن قضية الحراطين تحتل موقعا مركزيا في تاريخ النضال السياسي والاجتماعي الموريتاني منذ الاستقلال، بعدما ارتبطت بمواجهة أشكال التبعية والتراتبية والتمييز، وبالمطالبة ببناء مجتمع أكثر عدلا ومساواة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن تحرير الحراطين والفئات التي عانت تاريخيا من التهميش لا ينبغي النظر إليه باعتباره قضية فئوية منفصلة عن المشروع الوطني، وإنما باعتباره جزءا من عملية أوسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أساس المساواة بين المواطنين.
وتتزامن هذه النقاشات مع عودة قضية الحراطين إلى النقاش العام خلال الأشهر الأخيرة، خصوصا في أعقاب عريضة وقعتها شخصيات موريتانية وطالبت، من بين أمور أخرى، بالاعتراف الدستوري بمكون الحراطين واعتماد سياسات للتمييز الإيجابي لصالحه، وهي مطالب أثارت نقاشا واسعا حول أفضل السبل لمعالجة آثار التهميش التاريخي.
وفي المقابل، حذرت أصوات سياسية وفكرية من أن معالجة المظالم التاريخية ينبغي ألا تؤدي إلى تكريس اصطفافات اجتماعية جديدة. وفي هذا السياق، دعا ألمين المختار إلى إبقاء قضية الحراطين ضمن إطار وطني جامع، مع التركيز على دولة القانون وتكافؤ الفرص والسياسات الاجتماعية التي تستهدف معالجة الاختلالات دون المساس بوحدة المجتمع.
وتذهب الرؤية المطروحة في الندوة إلى أن أحد جذور المشكلة يكمن في استمرار بعض أنماط التصنيف الاجتماعي القائمة على الميلاد والمكانة الموروثة، حيث يمكن للانتماء الاجتماعي أو القبلي أو الطبقي أن يؤثر في فرص الفرد وموقعه داخل المجتمع.
ولا تتوقف الإشكالية، وفق هذا التصور، عند وجود هذه التراتبيات في الذاكرة الاجتماعية، بل تتعلق بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها داخل المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حين تتحول الانتماءات التقليدية إلى أدوات للحصول على النفوذ أو بناء شبكات الزبونية أو الوصول إلى الموارد والمواقع العامة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الجمهورية الحديثة يفترض أن تعمل على تحرير الفرد من القيود التي يفرضها الميلاد، بحيث تصبح الكفاءة والمبادرة والعمل هي المعايير الأساسية للارتقاء الاجتماعي، لا النسب أو الانتماء القبلي أو المكانة الموروثة.
وفي ما يتعلق بالحراطين، شددت الندوة على ضرورة التمييز بين الاعتراف بالتاريخ الاجتماعي الخاص لهذه الفئة وما تعرضت له من استعباد وتهميش وتفاوتات موروثة، وبين تحويل هذا التاريخ إلى أساس لتثبيت هوية اجتماعية مغلقة.
وبحسب هذه المقاربة، فإن الاعتراف بالمظالم التاريخية يمثل شرطا ضروريا للعدالة وجبر الضرر وتصحيح الاختلالات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى إعادة إنتاج لمنطق التصنيف نفسه في صورة جديدة.
وتطرح هذه الرؤية بالتالي معادلة دقيقة: كيف يمكن الاعتراف بالخصوصية التاريخية للحراطين ومعالجة آثارها، من دون تحويل الخصوصية الاجتماعية إلى حدود إثنية دائمة؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ظل اتساع النقاش الوطني حول قضية الحراطين وحقوقهم وموقعهم في الدولة والمجتمع. فقد دعا رئيس المجلس الوطني لميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين أحمدو ولد الوديعة، في مايو الماضي، إلى مواجهة التهميش والإقصاء، مؤكدا أن مستقبل البلاد ينبغي أن يقوم على العدالة والمساواة بين جميع مكوناتها.
وتلتقي هذه النقاشات مع سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الدولة الموريتانية: هل يكون تجاوز آثار التراتبيات التاريخية عبر سياسات تستهدف الفئات المتضررة مباشرة، أم عبر إصلاح شامل يعيد بناء علاقات المجتمع على أساس المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص؟
ويرى أنصار المقاربة الوطنية الجامعة أن الخيارين لا ينبغي بالضرورة أن يكونا متعارضين؛ إذ يمكن الاعتراف بالمظالم التاريخية ومعالجتها بسياسات عملية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على أفق وطني يتجاوز الانقسامات الاجتماعية ولا يحبس الأفراد داخل هويات موروثة.
وتأتي أهمية هذا النقاش أيضا في سياق سياسي تشهد فيه البلاد حوارا وطنيا بين السلطة والقوى السياسية، حيث وقعت الأطراف المشاركة في يوليو 2026 وثيقة لتنظيم الحوار، بعد تجاوز الخلاف حول بند المدد والمأموريات.
وبذلك، لا تبدو قضية الحراطين مجرد ملف اجتماعي منفصل، بل اختبارا لقدرة المجتمع الموريتاني على الانتقال من الاعتراف بالانقسامات والتفاوتات التي صنعها التاريخ إلى بناء عقد اجتماعي جديد، تكون فيه المواطنة رابطة أعلى من النسب والمكانة الاجتماعية، ويصبح فيها التحرر من التراتبيات الموروثة جزءا من مشروع وطني شامل.
وفي نهاية المطاف، يظل السؤال المطروح: هل يكون الانعتاق بإعادة تعريف الجماعات الاجتماعية داخل هويات أكثر صلابة، أم بتحرير الإنسان نفسه من كل تصنيف موروث، وبناء جمهورية لا يسأل فيها المواطن أولا: من أي جماعة أنت؟ وإنما: ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟