قال أستاذ العلوم السياسية، محمد محمود ولد المعلوم، إن ما يجري في مالي يندرج ضمن ما يُعرف بالحروب غير المتكافئة، حيث لا تسعى الجماعات الجهادية إلى السيطرة على العاصمة باماكو، بل إلى استنزاف الدولة المالية وتقويض قدرتها على حماية مواطنيها، وبالتالي نزع شرعيتها.
وأكد أن هذه الظاهرة ترتبط ببنية الدولة في إفريقيا، خاصة تلك التي تحكمها الأنظمة العسكرية، حيث تبدو العواصم قوية ومتماسكة ظاهريًا، بينما تعاني الأطراف من التهميش والانهيار، وهو ما يفسر تكرار حالات الاضطراب ضد هذه الأنظمة، مستشهدًا بمقولة في العلوم السياسية مفادها أن الأنظمة العسكرية تُظهر استقرارًا إعلاميًا زائفًا إلى أن تنهار فجأة، كاشفة عن هشاشتها.
وأضاف في مداخلة له مع قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية مساء أمس الثلاثاء، أن ما يحدث في مالي ليس حربًا واحدة، بل مجموعة حروب متوازية تشمل الصراع الجهادي، والنزاعات القبلية، والتنافس الاقتصادي، إضافة إلى التدخلات الخارجية.
كما أشار إلى أن الجماعات الجهادية توظف الخطاب الديني كغطاء، بينما تخفي أهدافًا سياسية متعددة، خاصة في ظل صراع القوى الكبرى على النفوذ في منطقة الساحل الغنية بالموارد.
وأضاف أن المنظومة الأمنية الغربية التي كانت تقودها فرنسا تحت مظلة أمريكية قد انهارت خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو ما تجلى في انسحاب القواعد العسكرية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ليفتح المجال أمام تدخل روسي عسكري وصيني اقتصادي في المنطقة.
وأشار ولد المعلوم، أن قوة الجماعات الجهادية لا تكمن في تسليحها، بل في ثلاثة عوامل رئيسية: الحاضنة الشعبية، والمعرفة الدقيقة بالجغرافيا، والقدرة العالية على الحركة والتكيف، وهي عوامل تعجز الجيوش النظامية عن مجاراتها، خاصة أن عامل الزمن يعمل لصالح هذه الجماعات.
كما أشار إلى أن دول الساحل، رغم محاولتها تشكيل منظومة أمنية جديدة، لا تزال تواجه تحديات بنيوية عميقة، حيث تعاني من هشاشة الدولة وغياب الرؤية لدى النخب، التي لم تتجاوز بعد مرحلة الدولة الإثنية والقبلية نحو الدولة الحديثة.
وأكد أن هذه الأوضاع تفرز اختلالات في تقاسم السلطة والنفوذ، مما يدفع الشعوب إلى الاحتجاج أو حمل السلاح. وفي هذا السياق، يرى أن ما تعيشه المنطقة هو حالة “استقرار في عدم الاستقرار”، حيث لم تستطع الدولة المالية حسم المعركة، كما لم تتمكن الجماعات الجهادية من السيطرة، لتبقى الحرب مفتوحة ومستمرة في شكل استنزاف طويل الأمد.