مع تحديد توقيت الحكم بالنطق على الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وأعوانه في ملف العشرية؛ طوقت سيارات الشرطة محيط قصر العدل والشوارع المؤدية له، إجراءات أمنية مشددة عند البوابة، فاليوم هو يوم الحسم يقول شرطي وهو يدقق في اللوائح المسموح لها بالولوج لقاعة المحكمة.
شرطيون وقادة أمنيون ومفوضو شرطة انتشروا داخل القصر وصوت سماعاتهم يعلو بالأوامر، سُمح أولا للمحامين بدخول القاعة، واصطف الصحفيون مع الجمهور، إجراءات تفتيشية مشددة عند بوابة القاعة، اكتظت القاعة بالحضور، بدا الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز مشغولا في حديث مع رئيس فريق دفاعه محمدن ولد اشدو، ولا يعكس وجهه توقعا لمنطوق الحكم، بينما جلس الوزراء والمشمولون في الملف على مقاعدهم.
في الصف المخصص للنساء؛ خلف دفاع الطرف المدني، جلست سيدات من عائلة الرئيس السابق، يحركن سبحاتهن بالاستغفار، والمشهد يملؤه التوتر، بينما انتشر أفراد الأمن داخل القاعة وبين الصفوف، ساد الصمت للحظات قبل أن يصيح أحدهم: محكمة ، وقف الجميع ودخل رئيس المحكمة عمار ولد محمد الأمين ومعاونوه وكتاب الضبط يحملون ملفات كبيرة.
الانضباط أو السجن

قبل النطق بالحكم نبه رئيس المحكمة الحضور على ضرورة الالتزام والهدوء داخل القاعة، مشيرا أن من يتعامل مع الحكم بتعبير فرح أو ضجر فإنه سيطرد وإن لم يستجب فإن المحكمة ستوقف منطوق الحكم وتبدأ في إجراءات أخرى تتعلق بالتشويش على الجلسة.
طلبات الاستراداد

قرأ القاضي بداية ردا على طلبات الاسترداد، يتعلق بمحجوزات سابقة على ذمة التحقيق تتعلق برجال أعمال مقربين من الرئيس السابق، حكمت المحكمة برفع الحجز عنها، لكن جمهور القاعة لم يعلق على هذه الطلبات، فالجميع ينتظر لحظة الحكم الحاسمة في حق أول رئيس للبلاد يتهم في قضايا تتعلق بالفساد.
النطق بالحكم
بدأ القاضي بقراءة منطوق الحكم وجاء فيه أن المحكمة مختصة؛ وهو جدل قانوني كان مطروحا، لكن أحد المحامين أسر لموفد “تقدمي” للمحكمة قبل بدء الجلسة أن مداولات استمرت 5 أيام لن تحكم قطعا بعدم اختصاصها، فالأمر يكفيه يوما واحد، لكن المحاكم لا تخضع لقانون التوقعات يختم حديثه.
نطق القاضي المنطوق وأدان محمد ولد عبد العزيز ولد اعليه المولود 1956 بأكجوجت بغسيل الأموال والإثراء غير المشروع وعاقبه بالسجن النافذ 5 سنوات؛ لم يعلق الحضور فتلويحات القاضي بالسجن أتت أكلها، تجاوز القاضي لبقية المتهمين وبرأ يحي ولد حدمين ومحمد سالم ولد البشير ومحمد عبد الله ولد أوداعه والطالب ولد عبدي فال من التهم المنسوبة لهم ورفع الحجر عنهم.
بينما أدان محمد سالم ولد ابراهيم فال الملقب “المرخي” بجريمة الإثراء غير المشروع وعاقبه بالحرمان من حقوقه المدنية ومصادرة أملاكه المتحصل عليها من العائدات الإجرامية، كما أدان محمد ولد الداف لاستغلاله النفوذ بالسجن سنتين منها 6 أشهر نافذة وغرامة 50 ألف أوقية ومصادرة أمواله المتحصل عليها من العائدات الإجرامية.
ودان القاضي محمد ولد امصبوع بحرمانه من حقوقه المدنية، كما حكم بسجن محمد الأمين ولد بوباتو سنتين غير نافذتين وغرامة 50 ألف أوقية وبرأ موثق العقود محمد الأمين ولد ألوكاي من التهم الموجهة إليه، وحكم بسجن يعقوب ولد العتيق بالسجن سنتين منها 6 أشهر نافذة.
الاستئناف

ختم القاضي حديثه بإلزام الرئيس السابق محمد ولد العزيز بدفع 50 مليون أوقية للدولة الموريتانية، وحدد مهلة طلبات الاستئناف ب15 يوما، رفعت الجلسات وتدافع الحضور للخارج.
أمام بوابة قصر العدل وقف مناصرو الرئيس السابق وهم يهتفون مطالبين بإطلاق سراحه، وتلقى رئيس فريق دفاع الطرف المدني المحامي إبراهيم ولد أبتي عبارات التجريح بابتسامة وهو يغادر البوابة بسيارته، وفي تصريح قصير قال إنهم سيستأنفون قرار المحكمة.
مشاعر مختلطة وفرحة ناقصة

خارج القاعة كانت تقف أسر المتهمين، فرح وزغاريد بإطلاق سراح ذويهم قابله غضب وتنديد داخل عائلة الرئيس السابق، أبعدت الشرطة الجموع نحو مسجد “ابن عباس”، لم يعم الفرح بإطلاق سراح محمد ولد امصبوع ومحمد الأمين ولد بوباتو، تبقى الفرحة ناقصة بسجن محمد ولد عبد العزيز، “لايجب أن يسجن وحده” يقول أحد أقاربه وهو يغادر الجموع، بينما لم تخف عائلات الوزراء المشمولين في الملف فرحها بعد الحكم ببراءة أبنائهم.
رئيس فريق الدفاع عن الرئيس السابق محمد ولد اشدو قال إنهم سيستأنفون قرار المحكمة ووصف المحاكمة بأنها استهداف عائلي وسياسي للرئيس السابق، تفرقت الجموع ولم تطلق الشرطة القنابل المسيلة للدموع، بدا أن القرار كان مقبولا للجماهير، أو أن طلبات النيابة جعلتها تتوقع الأسوأ، ختمت المحكمة مسيرة دامت أزيد من 10 أشهر طالها توقفان أحدهما للحكم بدستوريتها والآخر لأداء رئيسها مناسك الحج.
لم يتحرك الشارع؛ فقط توقفت حركة المرور أمام قصر العدل والكل يسأل عن أسباب التجمهر ومنطوق الحكم، قبل أن يغادر بسيارته بعد صيحات أفراد الشرطة أمام “قصر العدل” وحراس قيادة أركان الجيوش المواجهة للقصر، وبين قيادة أركان الجيش والعدالة بدأت قصة جديدة من فصول محاكمة العسكريين بعد تخليهم عن بزتهم وتولي شؤون المدنيين.