تخطَّ إلى المحتوى

.. إلى الهاوية/ حنفي ولد دهاه

حنفي ولد دهاه
4 دقائق قراءة190

رأى أحد المدّلهين بحب ربات الحجال، ناهبات حلوم أمثال سعيد ولد عبد الجليل، من اللائي تغصُّ الدمالج بسوقهن الخُدْل، وقد كشفت عن ساق دقيق أحمش كأنه عود مرخ، فقال لها: … وتستطيعين أن تمشي بقدرة السميع العليم.؟!

ولعل المتابع للنقاش المحتدم عن وجهة موريتانيا، إلى أين تسير؟. لن يكون أقل استغراباً لبقاء هذه البلاد واقفة على أرجل من صلصال، رغم ضرب المعاول وجرف المساحي، منذ تأسيسها حتى الآن..

نعم، إنها تسير، رغم ما يربو على نصف قرن من دبيب الشلل في أوصالها، ربما أسلمت أرشيتُها دلاءَها إلى قعر مُبهَمة، فهي إلى قاعها تهوي زهاء ست وستين حجة.. أو ربما هي كرة تتقاذفها أقدام لاعبين ذوي أحذية خشنة، لاتحكمهم قوانين ولاتضبطهم قواعد.

بدأ الخراب من التأسيس، فلم نرث دولة وطنية مركزية، قائمة الأركان و الدعائم، بل فضاء اجتماعياً مهلهلَ السحيل مهترئ النحيزة، تسوسه القبائل و الإمارات و الوجهاء المحليون، وتنسج علاقاته اعتبارات تقليدية.. وبعد رحيل الاستعمار الذي لم يترك خلفه أساس دولة حديثة، كان خلاصة فكر الحالمين بوئام وطني اختيار نواكشوط عاصمةً للدولة الجديدة، في محاولة رمزية لإيجاد نقطة وسط بين عالم ضفاف النهر والفضاء الصحراوي، في بلد متعدد المكونات الثقافية والاجتماعية.

فهل نحجنا في بناء دولة مؤسسات؟ أم اكتفينا بصناعة شعور مشترك بأنه أصبح للموريتانيين إطار جامع، له حوزته الترابية و علمه الرفراف وعملته و نشيده الوطني؟

فمشروع الدولة الحديثة لم يستطع احتواء البنية القبلية، ولم يتمكن إطارها المدني الناعم من ترويض وحشها الحرون؛ بل تكيفت  القبيلة مع الإدارة والسياسة والاقتصاد والجسد الانتخابي. لتصبح وسيطاً بين المواطن والدولة، يحتاجها الفرد للحصول على ما يفترض أن يحصل عليه بصفته مواطناً.

حمل المجتمع معه تراتبياته الاجتماعية وموروثاته التي تصنّف المكانة الاجتماعية، وفق سوابق الاسترقاق و امتهان الحِرَف و الرضوخ لنير الاستغلال. وقد استمرت قوة الانتماء الإثني والموقع الاجتماعي والطبقي في تشكل الدولة والإدارة.  

اليوم، يجرّم القانون التمييز والممارسات الاسترقاقية، لكن إرث هذه البنى يظل واقعاً اجتماعياً وسياسياً ممتد الظلال..

نقع عند ملتقى المجالين العربي و الإفريقي، وتستوعب بلادنا مكونات لغوية و ثقافية متعددة، و تفرض علينا القاعدة المنطقية ”الشيء مع غيره غيرُه“، أن نتساءل: من نحن؟..

 ولماذا يؤدي تعدد روافد الهوية إلى صراع دائب على ملكية الدولة؟

و هل أصبحت المواطنة، بعد انصرام ستة عقود من الاستقلال، هي الهوية السياسية الأولى للموريتاني، أم ما تزال الهويات السابقة للدولة أكثر فاعلية منها؟

وهل نجحنا في أن نفرض مبادئ الجمهورية؟ و أن نتقمص قيم الحداثة؟.. 

إن من الاختبارات الجوهرية للدولة الحديثة أن تستمر المؤسسات راسية على قواعدها، بصرف النظر عمن يحكم.. باعتبار أن الإدارة خدمة عامة وليست امتداداً لموازين النفوذ.. فمتى تنجلي سيزيفية الليل السياسي المعتكر، فـ ”كلما دخلت أمة لعنت أختها“، وحثت من الظلماء في وجه الأمس، وفقأت عيون من لا يقرأون تاريخه من رجليه..

لا سلطة للمؤسسات، وإنما للأشخاص الذين يتحكمون في غُلب رقابنا بالقهر و الغلبة.. فأين هو الرئيس الذي اخترناه بمحض إرادتنا، وفي سعة من أمرنا، ليحكمنا بقبضة حديد أو بقطفة زيتون؟!

الانقلابات و التدخل العسكري في السلطة جزء أساسي في تاريخنا السياسي.. فكيف يتأتّى معها لسير سَواني الانقطاعات السياسية أن يجذر فينا ثقافة المؤسسة و الدستور و التداول المدني للسلطة؟

وكيف يمكن أن نحول ديمقراطية، ولدت خِداجا، من نصوص وآليات انتخابية إلى ثقافة سياسية، ومؤسسات مستقلة، وتوازن للسلطات، ومساواة أمام القانون، ومساءلة للحاكم.؟

.. حين يكون وصولك للوظيفة أو الصفقة أو الخدمة العمومية، أو نيل حقك من الصحة و التعليم و السكن، مرتبطاً بعلاقاتك الشخصية، و بمحضك الولاء للحاكم، فلا تسألني إلى أين تسير؟!. لأن الجواب ما ستراه لا ما ستسمعه، حين ينفجر البركان الذي تقف عند فوهته.!

وحين يتمكن الفساد من تحويل المؤسسات العمومية من ملك مشترك للمواطنين إلى مورد تتنافس عليه شبكات النفوذ.. فقل لي هل تسير؟!.. أم هل سيتجمد الدم في أوصالك الكسيحة؟!

الدولة لا تبنى من كرسي هزاز، في مكتب بالقصر الرئاسي،  يتأرجح بصانع قرار أحادي، بل تصنع من حجرة الدرس .. فهل أنشأت المدرسة الموريتانية ذاكرة وطنية مشتركة؟ أم أنتجت لغة للتعايش؟.. و هل جعلت أبناء النعمة و روصو، و كيهيدي و أطار يرون أنفسهم في مرآة واحدة، تستحيل وجوههم كالمسوخ الشائهة حين تتكسر، وتصيّرها الكراهية شظايا؟

لكل مجموعة ذاكرتها.. و أحياناً جراحها ورواياتها الأحادية للتاريخ. و لكن الدولة الحديثة تحتاج إلى سردية لا تمحو الاختلاف ولا تنكر المظالم، لكنها تسمح للجميع أن يجدوا أنفسهم داخل قصة وطنية واحدة..

 فأين نحن من ذلك؟

ثم، هل تقف الدولة، حيث يجب أن تقف، من صراع المركز و الهامش؟ .. هل ينال المرء حقوقه فقط لأنه موريتاني، أم يتغير نوع مواطنته بحسب المكان الذي وُلد ويعيش فيه؟

وهل تحولت الثروة إلى تعليم وصحة وفرص عمل وطبقة وسطى واستقلال اقتصادي للفرد؛ أم أن الفقر والتبعية الاقتصادية أعاداه إلى حضن القبائل والبطون وشبكات النفوذ.؟!

إن أفظع  ما يمكن أن تواجهه الدولة هو أن تصبح مؤسساتها عالماً منفصلاً عن المواطنين، تُفهَم فيه السياسة على أنها صراع على موارد الدولة لا إدارة للصالح العام.

فإلى أين نسير؟

ما دمنا لا ننتقل من القبلية إلى المواطنة، و من السلطة إلى الدولة، و من التعايش بين المجموعات إلى الأمة السياسية، فإننا قد  نسير فعلاً و لكن إلى الهاوية؟!

حنفي ولد دهاه

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً