تخطَّ إلى المحتوى

تقرير: الحدود الموريتانية–المالية تتحول إلى نقطة ضغط أمني ودبلوماسي متزايد

Lother King
4 دقائق قراءة21

أفادت دراسة تحليلية حديثة نشرها موقع African Security Analysis بأن الحدود الموريتانية–المالية أصبحت نقطة احتكاك أمني ودبلوماسي متزايد، في ظل تداخل العمليات العسكرية للقوات المالية وحلفائها مع نشاط الجماعات المسلحة وحركة السكان والرعاة وتدفق اللاجئين.

وأشار التقرير إلى أن العمليات العسكرية في مناطق قريبة من الحدود ترفع مخاطر وقوع حوادث تطال مدنيين موريتانيين أو تحدث بالقرب من الأراضي الموريتانية، محذراً من أن تكرار مثل هذه الوقائع قد يؤدي إلى توترات سياسية بين نواكشوط وباماكو.

ولا يرى التقرير أن الخطر الحالي يتمثل في مواجهة عسكرية مباشرة بين موريتانيا ومالي، بل في احتمال تراكم حوادث ميدانية محدودة وتحولها إلى أزمة أمنية ودبلوماسية أوسع، خصوصاً في حال تكرار عمليات قتل أو احتجاز لمواطنين موريتانيين أو وقوع تحركات عسكرية داخل الأراضي الموريتانية.

من العمليات العسكرية إلى أزمة ثقة

وبحسب African Security Analysis، تنفذ القوات المالية عمليات لملاحقة الجماعات المسلحة في مناطق قريبة من الحدود الموريتانية، وهي مناطق يصعب ضبطها ميدانياً بسبب اتساعها وطبيعة الحركة التقليدية للسكان والرعاة.

ويؤدي تداخل حركة القوات الحكومية مع تحركات الجماعات المسلحة والرعاة والسكان وشبكات التهريب إلى جعل الحدود منطقة شديدة الحساسية، إذ يمكن لأي عملية عسكرية أن تنتج تداعيات تتجاوز هدفها المباشر.

وتواجه نواكشوط معادلة دقيقة: فهي لا تريد الانجرار إلى مواجهة مع باماكو، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بحماية مواطنيها ومنع امتداد الاضطرابات الأمنية من مالي إلى الأراضي الموريتانية.

اللاجئون يضيفون بعداً جديداً للأزمة

ولا يمكن فصل الجانب الأمني عن أزمة النزوح القادمة من مالي، إذ دفعت العمليات المسلحة أعداداً كبيرة من المدنيين إلى عبور الحدود نحو موريتانيا، ولا سيما باتجاه ولاية الحوض الشرقي.

ويشكل تدفق اللاجئين ضغطاً إضافياً على المناطق الحدودية والمجتمعات المضيفة، كما يجعل ملف النزوح جزءاً من الحسابات الأمنية والسياسية بين نواكشوط وباماكو.

وتزداد حساسية الوضع مع تبادل الاتهامات بشأن تحركات عناصر مسلحة أو فارين بالقرب من المناطق الحدودية ومخيمات اللاجئين، وهي قضايا يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمات دبلوماسية.

أربعة عوامل تضغط على الحدود

ويحدد تحليل African Security Analysis مجموعة من العوامل التي تجعل المنطقة أكثر هشاشة، أبرزها العمليات العسكرية داخل مالي، ونشاط الجماعات المسلحة، وتدفق اللاجئين، وصعوبة السيطرة الكاملة على منطقة حدودية واسعة ومفتوحة.

ويضاف إلى ذلك نشاط الجريمة المنظمة والتهريب، في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة والحركة الرعوية مع المسارات التي تستخدمها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.

نواكشوط تختار الاحتواء

ورغم ارتفاع مستوى المخاطر، حافظت موريتانيا على سياسة تقوم أساساً على الاحتواء السياسي والدبلوماسي، من خلال الاحتجاج عند وقوع حوادث حدودية والمطالبة بالتحقيق، مع تجنب تحويل الخلافات إلى مواجهة مباشرة مع السلطات المالية.

ويتيح هذا النهج إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، لكنه لا يلغي المخاطر الميدانية، خصوصاً إذا أصبحت الحوادث أكثر تكراراً أو اتساعاً.

وتتمثل إحدى أكثر نقاط الحساسية في احتمال وقوع حادث كبير، مثل مقتل عدد من المدنيين الموريتانيين أو دخول قوات أجنبية إلى الأراضي الموريتانية، بما قد يفرض على نواكشوط رداً أقوى ويضيق هامش المناورة الدبلوماسية.

لماذا يهم الملف موريتانيا؟

تكمن أهمية الحدود الموريتانية–المالية في أنها تمثل إحدى النقاط التي يمكن من خلالها أن تنتقل تداعيات حرب الساحل إلى الأراضي الموريتانية.

فالتدهور الأمني داخل مالي يمكن أن ينعكس على موريتانيا عبر النزوح والجريمة المنظمة والتهريب وحركة الجماعات المسلحة، فضلاً عن التوترات المرتبطة بالرعاة والسكان على جانبي الحدود.

كما أن أي تدهور في العلاقات بين نواكشوط وباماكو ستكون له انعكاسات على حركة السكان والتجارة والتعاون الأمني، خصوصاً أن المجتمعات الحدودية ترتبط بعلاقات اجتماعية واقتصادية قديمة تتجاوز الحدود السياسية.

السيناريو الأكثر حساسية

لا تشير المعطيات الواردة في تحليل African Security Analysis إلى مواجهة مباشرة بين الجيشين الموريتاني والمالي، لكن التقرير يرجح استمرار حالة من التوتر منخفض المستوى، تتصاعد مع كل حادثة جديدة ثم تعود إلى المسار الدبلوماسي.

وتكمن الخطورة في تراكم الحوادث الصغيرة: مقتل مدنيين، اختفاء رعاة، توقيف مواطنين، عمليات عسكرية قرب الحدود، أو اتهامات متبادلة بشأن تحركات عناصر مسلحة.

وقد تبدو كل حادثة منفردة محدودة، لكن تراكمها يمكن أن يضيق هامش المناورة أمام الحكومتين ويجعل إدارة العلاقة أكثر صعوبة.

الخلاصة

يرسم تحليل African Security Analysis صورة لحدود تتحول تدريجياً إلى منطقة اختبار حقيقية لسياسة موريتانيا تجاه اضطرابات الساحل.

فالخطر لا يتمثل حالياً في حرب مباشرة بين البلدين، وإنما في انتقال تداعيات الصراع المالي إلى الأراضي الموريتانية عبر سلسلة من الحوادث الأمنية والإنسانية والدبلوماسية.

وكلما استمرت العمليات العسكرية داخل مالي واقتربت من الحدود، وتواصل تدفق اللاجئين، وبقيت مناطق واسعة خارج السيطرة الأمنية الكاملة، ستبقى الحدود الموريتانية–المالية ملفاً يحتاج إلى مراقبة دقيقة، لأن حادثاً واحداً كبيراً قد يحول التوتر المتقطع إلى أزمة ثنائية أوسع

Lother King

محرّر في تقدمي

اقرأ أيضاً