قال الكاتب الصحفي حنفي دهاه إن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الغزواني، يمثل خطوة مهمة في اتجاه ترسيخ التواصل السياسي بين السلطة والرأي العام، معتبرا أن المؤتمرات الصحفية والمقابلات الإعلامية تعد من أبرز أدوات العمل الديمقراطي، لأنها تتيح للرئيس أو لصانع القرار الخروج بصورة دورية لتوضيح السياسات العامة، وتصحيح ما يثار من مغالطات، والإجابة عن الأسئلة التي تشغل المواطنين.
وأوضح أن هذا النهج دأب عليه الرؤساء والزعماء في الأنظمة الديمقراطية، حيث يحرصون على مخاطبة الرأي العام كلما دعت الحاجة إلى توضيح موقف أو شرح سياسة أو تقديم حصيلة عمل، مشيرا إلى أن هذه الثقافة لم تترسخ بالشكل الكافي في موريتانيا، لأن الأنظمة العسكرية التي حكمت البلاد، سواء خلال فترات الحكم العسكري المباشر أو بعد انتقالها إلى الواجهة المدنية، لم تكن تمنح هذا النوع من التواصل أهمية كبيرة، ولم تكن تعتبره ضرورة في صناعة الرأي العام.
وأضاف أن الموريتانيين لم يعتادوا على المؤتمرات الصحفية الرئاسية، مستحضرا تجربة الرئيس الأسبق الشيخ عبد الله ولد الشيخ عبد الله، الذي اكتفى خلال مأموريته الأولى بإجراء مقابلة صحفية ولم يعقد مؤتمرا صحفيا، رغم كونه أول رئيس مدني منتخب، وفي المقابل، أشار إلى أن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز اعتاد تنظيم خرجات إعلامية بشكل متكرر حتى نهاية مأموريته، وهي عادة تستحق الإشادة، رغم ما كان يشوبها من هفوات، وما كان يطبع تعامله مع الصحفيين من حدة وصلف عندما تتزايد الأسئلة أو تشتد الانتقادات.
واعتبر ولد دهاه أن المؤتمر الصحفي الأخير للرئيس يمثل عودة إلى ممارسة ديمقراطية تأخرت كثيرا، مضيفا أن “أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي إطلاقا”، لما تمثله هذه المؤتمرات من قيمة في تعزيز الشفافية وإتاحة الفرصة أمام المواطنين للاطلاع على مواقف السلطة التنفيذية من مختلف القضايا.
ورأى أن أبرز الرسائل السياسية التي حملها المؤتمر تمثلت في حرص الرئيس على الظهور بمظهر الرئيس المنفتح على شعبه وصحافته، والمستعد للإجابة عن الأسئلة دون تحفظ، بما يعكس صورة رئيس ديمقراطي يتقبل النقاش ويؤمن بحق الصحافة في مساءلة السلطة.
وأضاف أن الرئيس لم يكتف بالإجابة عن الأسئلة، بل استغل كلمته الافتتاحية لتقديم عرض مختصر عن حصيلة حكمه، متحدثا عن فلسفته في إدارة الدولة، والاستراتيجيات التي اعتمدها منذ توليه السلطة، والإنجازات التي قال إنها تحققت في مختلف القطاعات، قبل أن ينتقل إلى الإجابة عن أسئلة الصحفيين.
وأشار إلى أن المؤتمر جمع بين استعراض الإنجازات والتفاعل مع القضايا الآنية التي تشغل الرأي العام، إذ تناول الرئيس ملفات الفساد، وما يثار بشأن بعض أقاربه والمقربين منه، كما تحدث عن قانون الرموز، وملف الغاز، والوضع الاقتصادي، وقضايا أخرى وصفها داه بأنها تمثل أبرز الملفات المطروحة في الساحة الوطنية، معتبرا أن الرئيس نجح في إيصال رسائله السياسية بلباقة وكياسة في معظم تلك الملفات.
وفي تقييمه لطريقة إدارة المؤتمر، قال إن الرئيس ظهر هادئا وواثقا من نفسه، وتعامل مع الصحفيين بلباقة واحترام، وكان يناديهم بأسمائهم ويمازحهم في بعض الأحيان، دون أن يفقد وقاره أو هيبة المنصب، مضيفا أن الرئيس أظهر قدرة كبيرة على ترتيب أفكاره بسرعة، واستحضار المعلومات، وعرض الحجج بطريقة متماسكة، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، امتلاكه ذاكرة قوية ومهارات واضحة في الجدل والإقناع.
واعتبر أن الرئيس يمتلك قدرات متميزة في التواصل مع الجمهور، لكنه لم يوظف هذه القدرات بالشكل الذي كان ينبغي طوال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن ظهوره الإعلامي ظل محدودا مقارنة بما تتيحه هذه الأدوات من فرص لتعزيز التواصل مع المواطنين.
وفي المقابل، أثنى على أداء الصحفيين المشاركين في المؤتمر، مؤكدا أنهم طرحوا الأسئلة التي كان ينبغي طرحها، ولم يترددوا في إثارة الملفات الحساسة، كما اتسمت أسئلتهم بالجرأة والوضوح، وهو ما جعل المؤتمر، في نظره، حوارا حقيقيا بين السلطة والإعلام، مضيفا أن الاتفاق أو الاختلاف مع إجابات الرئيس يبقى حقا مكفولا للجميع، لكن مجرد عقد المؤتمر بهذه الطريقة يمثل تطورا إيجابيا ينبغي البناء عليه مستقبلا.
ورغم إشادته بأداء الرئيس، رأى أن ملف المأمورية الثالثة ظل أكثر القضايا غموضا خلال المؤتمر، موضحا أن الرئيس لم يقدم موقفا حاسما بشأنه، بل استخدم لغة سياسية تقوم على الإجمال وترك أكثر من احتمال مفتوح.
وأوضح أن الرئيس حاول طمأنة الرأي العام بأنه لا يسعى إلى البقاء في السلطة خارج الإطار الدستوري، وأنه لن يفرض نفسه إذا لم يكن هناك سند قانوني لذلك، لكنه في الوقت ذاته لم يغلق الباب نهائيا أمام احتمال الترشح مستقبلا إذا توفرت الظروف الدستورية والقانونية، وهو ما اعتبره داه رسالة قابلة لتفسيرات متعددة.
وأضاف أن هذه الصياغة تترك الباب مفتوحا أمام تساؤلات بشأن ما إذا كان المقصود احتمال تعديل الدستور مستقبلا، أم أن الأمر لا يتجاوز فرضيات سياسية لم تتضح معالمها بعد، مرجحا أن تكشف المرحلة المقبلة مزيدا من التوضيحات حول هذا الملف.
وفي حديثه عن أولويات المرحلة المقبلة، قال إن الرئيس حرص على الحديث عن مشاريع وإنجازات مستقبلية، معبرا عن رغبته في استكمال برنامجه خلال ما تبقى من مأموريته، كما أشاد بأداء الوزير الأول وأعضاء الحكومة، ونسب إليهم جزءا من النجاحات التي تحققت، وهو ما اعتبره داه دليلا على أن الرئيس يقدم نفسه باعتباره قائدا لفريق عمل، وليس باعتباره الشخص الوحيد الذي ينسب إليه كل ما يتحقق من إنجازات.
وأضاف أن هذا الخطاب يعكس رؤية تقوم على العمل الجماعي، ويؤشر إلى أن الرئيس يراهن على الطاقم الحكومي الحالي لتحقيق مزيد من الإنجازات خلال السنوات المتبقية من ولايته.
وأكد أن المؤتمر الصحفي ترك أثرا إعلاميا وسياسيا واسعا، مرجعا ذلك إلى ندرة الخرجات الإعلامية للرئيس منذ توليه السلطة، وهو ما جعل هذا اللقاء يحظى بمتابعة كبيرة من وسائل الإعلام والكتاب والمدونين والقوى السياسية، الذين تناولوه بالتحليل والنقد، وبنوا عليه مواقفهم المختلفة.
واعتبر أن هذا الاهتمام الكبير لا يعود فقط إلى مضمون المؤتمر، وإنما أيضا إلى كونه أعاد تقليدا سياسيا وإعلاميا افتقدته الساحة الوطنية لسنوات، معربا عن أمله في أن تصبح المؤتمرات الصحفية الرئاسية ممارسة دورية تعزز الشفافية، وتفتح المجال أمام نقاش عمومي أوسع حول السياسات والبرامج الحكومية.