تخطَّ إلى المحتوى

ولد أبو المعالي: الدولة اعتمدت مساراً تراكمياً في تفكيك الفكر المتطرف

Lother King
4 دقائق قراءة110

قال الكاتب والصحفي محمد محمود ولد أبو المعالي إن قرار العفو الأخير عن عدد من سجناء قضايا الإرهاب والتطرف جاء نتيجة مسار طويل من الحوار والمراجعات الفكرية امتد لأكثر من خمسة عشر عاماً، مؤكداً أن ما يميز هذه المرحلة أنها شملت بعض أصحاب الأحكام الثقيلة، بمن فيهم محكومون بالإعدام، إضافة إلى قيادات وعناصر بارزة لم تنجح المراحل الأولى من الحوار، التي بدأت سنة 2010، في إقناعهم بمراجعة أفكارهم.

وأوضح، مساء أمس الاثنين خلال مقابلة مع قناة TTV، أن هذه الدفعة جاءت بعد نقاشات معمقة وطويلة تناولت مختلف الإشكالات الفكرية والعقدية التي كان يتمسك بها هؤلاء، ومن أبرزها قضايا الولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعلاقة مع الدولة، والحاكمية، والتكفير، والموقف من غير المسلمين، إضافة إلى مفاهيم دار الإسلام ودار الحرب ودار الكفر، وقضايا المواطنة والعلاقة بين المسلم وغير المسلم داخل الدولة وخارجها.

وأضاف أن الحوار تطرق كذلك إلى مسائل الجهاد من حيث شروطه وأحكامه، ومتى يكون فرض عين أو فرض كفاية، والجهة المخولة بقيادته، مبيناً أن العلماء ناقشوا هذه القضايا نقطةً نقطة، واستندوا في ذلك إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الصحابة والمذاهب الفقهية المعتبرة.

وأشار إلى أن من بين القضايا التي خضعت للنقاش أيضاً مسألة العذر بالجهل وحدوده في العقيدة والعبادات والمعاملات، موضحاً أن العلماء نجحوا في إقناع عدد من هؤلاء السجناء بالعدول عن كثير من القناعات التي كانوا يحملونها.

وأكد ولد أبو المعالي أن التجربة الموريتانية ليست معزولة، بل تندرج ضمن تجارب مشابهة شهدتها دول عدة، من بينها المملكة العربية السعودية من خلال برامج المناصحة والدمج، والجزائر عبر مسار المصالحة الوطنية، وليبيا ومصر من خلال مراجعات الجماعات الإسلامية داخل السجون، إضافة إلى تجارب أخرى في منطقة الساحل ونيجيريا.

وبيّن أن ما يميز التجربة الموريتانية أنها من أوائل التجارب التي شملت حواراً مباشراً مع عناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ومنطقة الساحل، مضيفاً أن غالبية العناصر الموريتانية المنخرطة في تلك الجماعات تمتلك مستوى معرفياً وفقهياً يجعل الحوار معها يحتاج إلى علماء يمتلكون كفاءة علمية عالية وقدرة على مناقشة الشبهات والأفكار التي يستندون إليها.

وفي رده على سؤال يتعلق بالضمانات التي استند إليها قرار العفو، أوضح أن العلماء توصلوا من خلال الحوار إلى قناعة بحدوث مراجعات فكرية حقيقية لدى المستفيدين، مضيفاً أن ذلك لا يشكل وحده أساس القرار، إذ توجد كذلك متابعة أمنية وتقييمات تجريها أجهزة الدولة المختصة لرصد مدى التزام هؤلاء بتلك المراجعات وتقييم مستوى اندماجهم في المجتمع.

وحول عدد المستفيدين من برامج الحوار والعفو، قال إن الأعداد بلغت العشرات عبر المراحل المختلفة، مشيراً إلى أن المراحل الأولى شملت في الغالب عناصر عادية أو حديثة الانخراط في الفكر المتطرف، بينما ظل بعض القادة والمنظرين يرفضون الحوار لسنوات، معتبرين أنه مجرد عمل استخباراتي، قبل أن تنجح الدولة في مواصلة الحوار معهم وإقناع عدد منهم بالمراجعة.

وأضاف أن السجن غالباً ما يشكل بيئة مناسبة للمراجعات الفكرية، وهو ما أثبتته تجارب عديدة في دول مختلفة، حيث صدرت من داخل السجون وثائق ومراجعات فكرية مهمة، من بينها وثائق تصحيح المفاهيم ونبذ الغلو والتطرف وإعادة تعريف مفهوم الجهاد.

وفي حديثه عن مؤشرات إعادة التأهيل، قال إن أول مؤشر يتمثل في المراجعة الفكرية نفسها، لأن الشخص الذي كان يحمل السلاح ويكفر الدولة ثم يتخلى عن هذه القناعات ويندمج في المجتمع بصورة إيجابية يكون قد قطع شوطاً مهماً في إعادة التأهيل.

وأضاف أن بعض من خاضوا هذه التجربة يمكن أن يصبحوا أكثر قدرة على التأثير في الشباب المعرضين للتطرف، بحكم معرفتهم بطبيعة هذا الفكر وآليات انتشاره وأساليب الإقناع التي يعتمدها، ما يجعل شهادتهم أكثر تأثيراً من غيرهم.

وحول الانتقادات التي أثيرت بشأن قرار العفو، أوضح أن بعضها يتعلق بحقوق الضحايا وأولياء الدم، مؤكداً أن هذا النقاش يحتاج إلى مقاربة فقهية دقيقة، لأن الفقه الإسلامي يميز بين أنواع متعددة من القتل، من بينها القتل العمد، والقتل أثناء المواجهات المسلحة، وقتل المحاربين والبغاة الخارجين المتأولين.

وأشار إلى أن لجنة العلماء خلصت إلى تصنيف هؤلاء ضمن فئة البغاة أو الخارجين المتأولين على الحاكم الشرعي، مستندة في ذلك إلى الموروث الفقهي المالكي وإلى اجتهادات العلماء وسوابق التاريخ الإسلامي، بما في ذلك تعامل الخليفة علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس مع الخوارج.

وأكد أن الدرس الأبرز المستفاد من هذه التجربة يتمثل في أن الفكر لا يواجه إلا بالفكر، وأن القناعة لا تُعالج إلا بقناعة مضادة، مضيفاً أن المقاربة الأمنية ضرورية لكنها غير كافية بمفردها، وأن النجاح الحقيقي يتحقق من خلال الجمع بين المقاربة الأمنية والمقاربة الفكرية والبرامج الاجتماعية والاقتصادية الهادفة إلى إعادة الإدماج.

وفي ختام حديثه، شدد ولد أبو المعالي على أن ملف التطرف في موريتانيا لم يُغلق نهائياً، رغم التراجع الكبير الذي شهده خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن الحديث عن القضاء الكامل عليه يمثل قدراً من التفاؤل المفرط، خاصة في ظل الأوضاع السائدة في المنطقة.

ودعا إلى استمرار جهود العلماء والمفكرين والنخب في النزول إلى الميدان ومواصلة الحوار والتوعية ومواجهة الشبهات الفكرية، مؤكداً أن المحافظة على النتائج المحققة تتطلب عملاً متواصلاً لمحاربة الأفكار المتطرفة وتجفيف منابعها الفكرية.

Lother King

محرّر في تقدمي