أثار قرار إنهاء مهام رئيس الوزراء عثمان سونكو موجة واسعة من النقاشات السياسية والدستورية في السنغال، وسط تباين في القراءات حول خلفياته وتداعياته على بنية السلطة والتوازنات داخل المؤسسات.
ويشير تحليل سياسي موسع إلى أن نقطة التحول الحاسمة تمثلت في جلسة الأسئلة بالجمعية الوطنية، حيث أدلى سونكو بتصريحات أكد فيها أنه لا يقبل أن يكون “رئيس حكومة يطيع بشكل مطلق”، وهو ما اعتُبر تجاوزاً لحدود الانسجام الحكومي وإشارة إلى وجود خلافات عميقة داخل السلطة التنفيذية.
غير أن التوتر، وفق نفس التحليل، لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ منذ أواخر 2025، مع تزايد الخلافات بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وسونكو، خصوصاً بعد توجه الرئاسة إلى إعادة تشكيل تحالفها السياسي عبر “الائتلاف الرئاسي”، وما رافقه من إبعاد بعض الشخصيات المقربة من حزب “باستيف”.
كما أشار التحليل إلى إعلان سونكو في ديسمبر 2025 نيته الترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2029، وهو ما أدخل الطرفين في مسار تنافسي مبكر على قيادة المشهد السياسي، وأضعف عملياً من منطق الشراكة الذي حكم المرحلة الانتقالية الأولى بعد انتخابات 2024.
وتوقف التحليل عند المعطى الشخصي والسياسي المتمثل في رد فعل سونكو على القرار، حيث نشر رسالة مقتضبة عبر صفحته قال فيه إنه “سيخلد للنوم بارتياح”، وهو ما اعتُبر مؤشراً على أن التوترات كان قد بلغ مستوى متقدماً من الضغط السياسي قبل لحظة الانفصال الرسمي.
وفي الجانب القانوني والدستوري، يطرح النص إشكالاً حول وضعية سونكو البرلمانية، في ظل تضارب التأويلات بين الدستور وقانون 2023 والنظام الداخلي للجمعية الوطنية، حيث ينص الدستور على عدم الجمع بين الحكومة والبرلمان، بينما تشير التعديلات الأخيرة إلى إمكانية اعتبار المنصب الحكومي تعليقاً مؤقتاً للصفة النيابية دون إسقاطها.
ويزداد الجدل تعقيداً بسبب وضعية سابقة في نوفمبر 2024، حين قدّم سونكو ما وُصف بـ”التخلي” عن مقعده البرلماني، وهو ما يفتح باب التأويل بين من يعتبره تنازلاً نهائياً ومن يراه إجراءً إدارياً مرتبطاً بالمنصب الحكومي، في ظل غياب اجتهاد قضائي حاسم في هذا الملف.
وتشير المعطيات القانونية إلى أن أي نزاع محتمل حول العودة إلى البرلمان سيُحال إلى المجلس الدستوري، باعتباره الجهة المخولة بالحسم في هذا النوع من التنازع بين النصوص والتأويلات المختلفة.
وفي حال عودة سونكو إلى البرلمان، يطرح التحليل سيناريوهات إعادة تشكيل القيادة داخل الجمعية الوطنية، حيث يحتل إل مالك نداي رئاسة البرلمان منذ ديسمبر 2024، مع احتمال بروز ترتيبات جديدة إذا قرر “باستيف” إعادة توزيع مراكز القوة داخل المؤسسة التشريعية.
وتبرز ضمن هذه السيناريوهات فرضية استقالة محتملة لرئيس البرلمان في حال توافق الأغلبية النيابية على إعادة ترتيب القيادة لصالح سونكو، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة انتخاب مكتب جديد للمؤسسة التشريعية، في حال توفر أغلبية سياسية داعمة لذلك.
غير أن هذا السيناريو يرتبط أيضاً بموقف إل مالك نداي، الذي يُنظر إليه باعتباره شخصية تحاول الحفاظ على استقلالية نسبية داخل المشهد السياسي، في ظل تباين المواقف داخل معسكر السلطة حول إدارة المرحلة الحالية.
وتشير القراءة السياسية إلى أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من التوتر المؤسسي بين الرئاسة والبرلمان، مع امتلاك كل طرف أدوات ضغط دستورية، حيث يمكن للبرلمان رفض برنامج الحكومة أو إسقاطها عبر سحب الثقة، بينما يمكن للرئاسة اللجوء إلى حل البرلمان أو استخدام صلاحياتها التنظيمية.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال اللجوء إلى المادة 52 من الدستور التي تتيح للرئيس إصدار مراسيم بقانون في حالات محددة، لكن ذلك يبقى مرهوناً بموافقة البرلمان أو بظروف استثنائية، ما يجعل تطبيقها في سياق الصراع السياسي الحالي محل جدل واسع.
كما أن أي استخدام موسع لهذه الآلية قد يفتح الباب أمام مراجعة دستورية من طرف المجلس الدستوري، في حال اعتُبر تجاوزاً لمبدأ التوازن بين السلطات.
ويخلص التحليل إلى أن مستقبل عثمان سونكو السياسي بات مرتبطاً بعدة مسارات متداخلة، أبرزها إمكانية الترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2029، وإعادة التموضع داخل الحزب، إضافة إلى استمرار الجدل حول أهليته القانونية في ضوء التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات.
وفي المقابل، يواجه الرئيس باسيرو ديوماي فاي تحدي إعادة بناء قاعدة حكم مستقرة خارج الاعتماد على التحالف السابق، عبر تشكيل حكومة جديدة قادرة على تمرير السياسات العامة في ظل احتمالات مواجهة برلمانية مع كتلة “باستيف”.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التحول لا يمثل فقط نهاية شراكة سياسية، بل بداية مرحلة إعادة تشكيل شاملة لموازين السلطة في السنغال، بين مشروع رئاسي يسعى إلى تثبيت استقلاليته، وقوة سياسية صاعدة تسعى إلى استعادة موقعها داخل المؤسسات الدستورية.