قال الصحفي المستقل حنفي ولد دهاه إن ما شهدته الجلسة الثانية التمهيدية للحوار الوطني المرتقب كان متوقعاً، في ضوء ما سبقها من حملات متبادلة حول قضية المأموريات، مشيراً إلى أن ما جرى لا يكشف عن خلاف في جدول الأعمال بقدر ما يكشف عن خلل بنيوي في الحوار ذاته.
وأشار في مقابلة مع قناة TTV، ضمن نشرتها التحليلية مساء أمس الثلاثاء، أن الحوار لا ينبغي أن يدخل إليه بأحكام مسبقة أو أجندات معدة سلفاً، بل بروح تفاوضية تقوم على رفع سقف النقاش لا تضييقه، لافتاً إلى أن كل طرف جاء بأجندة جاهزة وهو ما يتعارض مع مبدأ الحوار في جوهره.
وأوضح ولد دهاه، إلى أن المعارضة تحاول خفض سقف الحوار بما يتناسب مع مطالبها وتطلعاتها، واصفاً ذلك بالمناورة المشروعة سياسياً، وإن كانت تتنافى من الناحية المبدئية مع روح الحوار.
وأكد أن إصرار المعارضة على طرح الملفات الحساسة مبكراً يجمع بين أمرين؛ تكتيك تفاوضي يهدف إلى خفض سقف الحوار وفق أجندتها، وانعدام ثقة في النظام من جهة أخرى.
وأضاف أن هذا التوجس له ما يبرره بالنظر إلى تاريخ الحوارات السابقة مع الأنظمة التي كانت تلتف على مخرجاتها، مشيراً إلى أن السياق الحالي يثير الريبة، خاصة أن الرئيس رفض الحوار في مأموريته السابقة معتبراً أنه لا حاجة له في ظل غياب أزمة، ثم عاد وطرحه في مأموريته الأخيرة، وهو ما يفتح الباب أمام فرضية وجود أجندة مبيتة، “أمر يُبرم بليل” على حد تعبيره، مما يدفع المعارضة إلى التحفظ والحذر.
وأشار أن الحوار لا ينبغي أن ينطلق بقرار أحادي، بل بإجماع حول طبيعته وجدول أعماله وآلياته ومقاصده، مشيراً إلى أن جوهر المشكلة يكمن في انعدام الثقة بين الأطراف، وأن الحوارات المماثلة غالباً ما تنتهي بتسويات، لكن نجاحها يستلزم شرطين أساسيين: إرادة سياسية حقيقية، واستعداد لتقديم التنازلات.
ولفت إلى أن السيناريو الأقرب إلى الواقع هو تعثر المسار، في ظل أزمة ثقة عميقة بين الطرفين، مستبعداً أن تتراجع الأغلبية عن طرحها المتعلق بالمأموريات ضمن الإصلاحات السياسية، كما استبعد في المقابل أن تتخلى المعارضة عن موقفها.
وأشار إلى أن المعارضة لا تملك أوراقاً كثيرة، وأن هذه القضية تمثل أبرز أوراقها، مستشهداً بتعبير مفاده: “من لا يجد نصيبه من الكعكة يحثو فيها تراباً”، موضحاً أن المعارضة تحاول اللعب بهذا الدور في ظل ضعف حضورها الجماهيري والإعلامي والبرلماني.
ودعا إلى عودة الطرفين إلى طاولة الحوار دون شروط مسبقة، مع توفير ممهدات تُرسي جواً من تكافؤ الفرص، مؤكداً أن الوضع الراهن لا يعكس هذا التكافؤ؛ إذ تحتاج الأغلبية إلى المعارضة، فيما تسعى المعارضة إلى استثمار أوراقها المحدودة.
وحذر من أن قدرة المعارضة على الضغط محدودة زمنيًا، ولا تستند إلى قوة سياسية أو تمثيل برلماني كافٍ، داعيًا إياها إلى انتهاز اللحظة السياسية الراهنة والتعاطي معها بحكمة، “لأن هذه اللحظة، إذا مضت، قد لا تعود”.