تخطَّ إلى المحتوى

المقاربة الموريتانية في مواجهة التطرف: بين الحوار والأمن والبعد الاجتماعي

Lother King
2 دقائق قراءة225

يرى الصحفي دداه عبد الله أن المقاربة الموريتانية في التعامل مع ظاهرة التطرف تبدو، في جوهرها، قائمة على دراسة واقعية عميقة، تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط التحديات الأمنية من نقص في الوسائل اللوجستية أو التسليحية، بل أيضًا البعد الاجتماعي الذي يشكل عنصرًا حاسمًا في فهم الظاهرة. فالمتطرف، كما يوضح، ليس كيانًا معزولًا، بل هو ابن بيئة قبلية وأسرية، وأي تعامل أمني صرف معه—كالقتل أو المطاردة—قد يفاقم الوضع بدل احتوائه، بسبب ما قد يخلقه من ردود فعل اجتماعية وانتقامية.

وفي مقابلة له مع قناة TTV، أشار إلى أن السلطات الموريتانية أدركت أهمية هذا البعد، فاختارت أن “تقلب القصة” عبر استثمار التأثير الاجتماعي والعلمي، من خلال إشراك العلماء والمفكرين الموريتانيين في مواجهة الفكر المتطرف بالفكر، بدل الاقتصار على الحلول الأمنية. وقد كان لدمج هؤلاء الأفراد لاحقًا في المجتمع والحياة الطبيعية دور أساسي في هذه الاستراتيجية، إلى جانب الاستفادة من المكانة المستقلة والمؤثرة للعلماء داخل المجتمع.

ويؤكد أن التطرف، في جوهره، هو نتيجة فهم خاطئ للأسس التي تقوم عليها المجتمعات، سواء كانت دينية أو فكرية أو فلسفية. هذا الفهم المنحرف قد يتحول إلى عنف يهدد استقرار الدولة، ولذلك فإن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني فقط دون معالجتها فكريًا، قد أدى في تجارب دول أخرى إلى نتائج خطيرة لم تنتهِ بالمقاربات الأمنية وحدها.

كما يشير إلى أن الفكر الجهادي الذي تتم مواجهته يقوم على تأويلات خاطئة لمفاهيم دينية مثل الجهاد، والولاء والبراء، وطاعة ولي الأمر، وأن الحوار يمتلك قدرة كبيرة على تفكيك هذه المفاهيم. ومع ذلك، يوضح أن الحوار وحده لا يكفي، وهو ما جعل الدولة الموريتانية تعتمد مقاربة مركبة تجمع بين البعد الأمني، والحوار الفكري، والإدماج الاجتماعي، حيث كان الحوار الفكري—القائم على مقارعة الحجة بالحجة—هو الأساس.

أما عن مؤشرات النجاح، فيذكر أنها متعددة: أمنية وفكرية واجتماعية، من أبرزها تراجع العمليات الإرهابية خلال السنوات الماضية، وهو ما تعتبره السلطات دليلًا مهمًا على فعالية هذه المقاربة. كما أن عددًا كبيرًا من الشباب تخلوا عن الأفكار المتطرفة، وإن كان الزمن وحده كفيلًا بتأكيد هذه النتائج بشكل نهائي.

ويصف دداه عبد الله التجربة الموريتانية بأنها فريدة في المنطقة، بسبب جمعها بين ثلاث مقاربات في آن واحد: الأمنية، والحوارية، والاجتماعية، وهو ما صنع الفارق في مواجهة الإرهاب. لكنه ينبه إلى أن هذه التجربة، رغم إمكانية تصدير جانبها الحواري من حيث المبدأ، تظل مرتبطة بسياق اجتماعي خاص، يتميز بالتشابك القبلي والأسري، وهو عامل لا يتوفر بالضرورة في مجتمعات أخرى.

وفي ختام تحليله، يقر بإمكانية أن يتحول الحوار إلى ثغرة أمنية إذا استغلته الجماعات المتطرفة لإعادة تنظيم صفوفها أو كسب الوقت، لكنه يطمئن إلى أن السلطات الموريتانية تمتلك معرفة دقيقة بالأفراد المعنيين، وتتابعهم عن قرب، مؤكدًا أنه حتى الآن لا توجد مؤشرات تدل على استغلال الحوار بهذا الشكل.

Lother King

محرّر في تقدمي