تقرير/ الحسين التراد
لم يكن مضيق هرمز يومًا مجرد ممر بحري ضيق في الخليج، بل هو أحد الشرايين الرئيسية التي يتنفس منها سوق الطاقة العالمي. وحين تتصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، فإن أثرها لا يبقى محصورًا في جغرافيا المنطقة، بل يمتد سريعًا إلى أسواق النفط في العالم.
اليوم، ومع التصعيد الأخير الذي انعكس مباشرة على حركة الناقلات في المضيق، بدأت تداعيات الاضطراب تظهر في ارتفاع الأسعار وتقلب الإمدادات. ورغم المسافة الجغرافية الكبيرة بين نواكشوط ومياه الخليج، فإن موريتانيا تجد نفسها، مثل كثير من الدول الإفريقية المستوردة للطاقة، أمام ضغوط متزايدة على فاتورة الوقود.

وزير النفط الموريتاني لخص هذه المعادلة بوضوح خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي للحكومة، حين أشار إلى أن منطقة الشرق الأوسط توفر نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز في العالم، ما يجعل أي توتر فيها ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة الدولية.

وبحسب الوزير، فقد ارتفع سعر النفط من نحو 72 دولارًا للبرميل قبل اندلاع الأزمة إلى حوالي 92.5 دولارًا حاليًا، بعدما تجاوز خلال الأيام الماضية عتبة 100 دولار للبرميل، أي بزيادة تقارب 30 في المئة خلال فترة قصيرة.
لكن هذه الأرقام قد لا تكون سوى بداية موجة ارتفاع جديدة.

فبنك غولدمان ساكس، وفق ما نقلته صحيفة الغارديان البريطانية، حذر من أن اضطراب الإمدادات قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 100 دولار خلال أيام، مع احتمال وصولها إلى 150 دولارًا للبرميل إذا استمر إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية.

بالنسبة للدول المنتجة للنفط قد تبدو هذه الأرقام فرصة، أما بالنسبة لدول مثل موريتانيا التي تعتمد على الاستيراد الكامل للمحروقات، فإنها تعني شيئًا واحدًا: ارتفاعًا مباشرًا في كلفة الطاقة.

مخزون مريح… ولكن تحت الاختبار
في مواجهة هذه التطورات، تؤكد السلطات أن الوضع ما يزال تحت السيطرة.
فبحسب أحمد فال محمدن، المستشار المكلف بالتعاون والاتصال ومنسق الخلية الإعلامية بوزارة الطاقة والنفط، فإن المخزون الوطني من المحروقات في وضع مستقر، كما أن جداول التوريد تسير بانتظام ضمن الاتفاقيات المبرمة مع الموردين.
كما أوضح أن السلطات رفعت وتيرة التموين لضمان بقاء المخزون فوق مستوى الأمان.
ويتقاطع ذلك مع ما كشفه وزير النفط من أن المخزون الحالي يغطي نحو شهر من الاستهلاك الوطني، مشيرًا إلى أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وجّه بملء المخزون إلى الحد الأقصى تحسبًا لتقلبات السوق العالمية.

وتستورد موريتانيا مختلف المشتقات النفطية، من البنزين والكيروسين والمازوت والفيول إلى غاز الطهي (البوتان)، ما يجعل استقرار الإمدادات مسألة حيوية للاقتصاد الوطني.
ولتعزيز الاحتياطي، يُنتظر وصول خمس بواخر محملة بالمحروقات قبل نهاية الشهر، ثلاث منها متجهة إلى نواذيبو وواحدة إلى نواكشوط.
لكن الأمن الطاقوي لا يعتمد فقط على حجم المخزون، بل أيضًا على البنية التحتية التي تدير هذا المخزون.
مفارقة التخزين: الشمال ممتلئ والعاصمة محدودة

تمتلك موريتانيا طاقة تخزينية إجمالية تبلغ نحو 250 ألف متر مكعب من المحروقات.
غير أن توزيع هذه القدرة يكشف عن اختلال جغرافي واضح.
فمدينة نواذيبو وحدها تستحوذ على نحو 160 ألف متر مكعب، بينما لا تتجاوز الطاقة التخزينية في نواكشوط حوالي 60 ألف متر مكعب.
هذا الواقع يجعل العاصمة والمناطق الجنوبية والشرقية تعتمد بدرجة كبيرة على خط نقل طويل يمتد من الشمال، وهو ما يزيد هشاشة منظومة الإمداد في حال حدوث اضطرابات في النقل أو التوريد.
ولتدارك هذا الخلل، تعمل الحكومة على مشروع توسعة كبير يهدف إلى رفع الطاقة التخزينية في نواكشوط إلى 183 ألف متر مكعب.
وقد دخلت بالفعل الخدمة توسعة أولى بطاقة 23 ألف متر مكعب، فيما ينتظر تسليم توسعة ثانية أكبر، بطاقة 100 ألف متر مكعب، قبل نهاية عام 2026.
مشروع أداكس… تحول في خريطة الإمداد
ضمن الجهود الرامية إلى تحسين البنية التحتية للقطاع، يجري العمل أيضًا على مستودع جديد لشركة Addax Energy في ميناء نواكشوط.
ووفق وزارة الطاقة، فإن الأشغال تتقدم بوتيرة منتظمة، ومن المتوقع تسليم المشروع قبل نهاية العام الجاري.
وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه سيتيح تفريغ ناقلات النفط مباشرة في ميناء العاصمة، بدل المرور أولاً بمدينة نواذيبو كما كان يحدث سابقًا.
هذا التحول قد يعني خفض تكاليف النقل وتسريع توزيع المحروقات إلى مختلف أنحاء البلاد.
لكن في المقابل، تواجه عقود التوريد تحديًا جديدًا يتمثل في الارتفاع الحاد في أسعار النقل البحري.
فقد قفزت أجور استئجار ناقلات النفط، وفق تقديرات السوق، من نحو 43 ألف دولار يوميًا إلى قرابة 350 ألف دولار في بعض الحالات، وهو ما قد يضغط على العقود المبرمة سابقًا.
معادلة الدعم: الاقتصاد يحمي المستهلك

في مواجهة ارتفاع الأسعار العالمية، تحاول الدولة الحد من انعكاسها الكامل على المستهلكين.
فبحسب وزير النفط، تتحمل الدولة دعماً كبيراً لأسعار المحروقات.
وإذا استقر سعر النفط بين 85 و90 دولارًا للبرميل، فإن كلفة الدعم السنوي للمحروقات السائلة قد تبلغ نحو 25 مليار أوقية، بينما يصل دعم غاز الطهي إلى نحو 32 مليار أوقية.
وتدعم الدولة كل قنينة غاز طهي بنحو أربعة آلاف أوقية، رغم أن سعر بيعها للمستهلك يبلغ نحو ثلاثة آلاف أوقية.
وقد تجاوز دعم الغاز خلال شهري يناير وفبراير وحدهما أربعة مليارات أوقية. حسب وزير النفط.
لكن هذا التوازن قد يصبح أكثر صعوبة إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
فالسيناريوهات المالية تشير إلى أن كلفة الدعم قد تصل إلى 82 مليار أوقية إذا بلغ سعر النفط 100 دولار للبرميل، وقد ترتفع إلى 150 مليار أوقية إذا وصل السعر إلى 140 دولارًا، وهو مستوى شهدته الأسواق خلال أزمة عام 2008.
كما لا تزال الدولة تدعم كل لتر من المازوت بأكثر من 100 أوقية، رغم الزيادة الأخيرة في الأسعار بنسبة 5 في المئة، وهي النسبة القصوى المسموح بها قانونيًا لرفع الأسعار في كل مرحلة.
اقتصاد صغير في سوق عالمية مضطربة

في نهاية المطاف، تكشف أزمة الطاقة الحالية عن حقيقة معروفة في الاقتصاد العالمي: الدول الصغيرة المستوردة للطاقة تظل أكثر حساسية لتقلبات السوق الدولية.
فموريتانيا تمتلك اليوم مخزونًا مستقرًا، وتعمل على تطوير بنيتها التحتية للتخزين والإمداد، لكنها تظل مرتبطة بسوق نفط عالمية تتحكم فيها الجغرافيا السياسية بقدر ما تتحكم فيها قوانين العرض والطلب.
وبين ارتفاع الأسعار الدولية ورغبة الدولة في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، تبقى معادلة الطاقة في البلاد توازنًا دقيقًا بين الأمن الطاقوي وكلفة الدعم، وهو توازن قد يصبح أكثر هشاشة كلما استمرت الاضطرابات في أسواق النفط العالمية.